خليل الصفدي
119
أعيان العصر وأعوان النصر
بماء الوقائع . وأول ما عرف من أمره ؛ أنه أقام في ولاية صيدا زمانا ، وأخذ به من ذلك الساحل في تلك المدة أمانا ، ثم إن الأمير تنكز سيف الدين - رحمه اللّه تعالى - نقله إلى ولاية مدينة دمشق ، فأقام بها مدة مديدة ، وحركاته فيها مدة الولاية سديدة . ولم يزل على حاله إلى أن انطوى برق ابن برق ؛ فكأنه لم يلمع في غرب ولا شرق ، وتوفى - رحمه اللّه تعالى - سنة ست وثلاثين وسبعمائة . وتولى دمشق في صفر سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة ، وكان الأمير سيف الدين - رحمه اللّه تعالى - قد جعله حكم البندق عوضا عن الأمير صارم الدين صاروجا « 1 » ، فكتبت له بذلك توقيعا ، وهو : الحمد للّه الذي لم يزل حمده واجبا ، ورفده لكل خير واهبا ، وشكره للنعم جالبا ، وللنقم حاجبا ، وذكره للبؤس سالبا ، وللنعيم كاسبا ، نحمده على نعمه التي نصرع بالحمد أصناف أطيارها ، ونقص بالشكر أجنحتها ، فلا قدرة لها على مطارها . ونشهد أن لا إله إلّا اللّه ، وحده لا شريك له ، شهادة لا يكون لنا بها عن الفوز بالجنة عذر ، ولا نجد بها نفوسنا يوم البعث إلّا في حواصل طيور خضر . ونشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أفضل من قدم ذوي الرتب ، وأشرف من حكم بالعدل العاري من الشبه والريب ، صلّى اللّه عليه وآله ، وصحبه الذين كانوا في الحروب عقبانها « 2 » الكواسر ، وفرسانها الذين أشبعوا من لحوم العدا ذوات المخالب والمناسر ، ما أحمد الرامي في المرام عزمه ، وسعت له في الرتب قدم قدمه ، وسلم تسليما كثيرا . وبعد : فلمّا كان الرمي بالبندق فنا تعاطاه الخلفاء ، والملوك وسلك الأمراء والعظماء ، طريقة لطيفة المأخذ ، ظريفة السلوك ، يرتاضون به عند الملل ؛ لاسترواح نفوسهم ، ويجنون ثمرات المنى في التنزه من غروس عروشهم ، ويبرزون إلى ما يروق الطرف ويروع الطير من برزاتهم ، وينالون ببنادق الطين من الطير ما لا يناله سواهم بجوارح صقورهم ولا بزاتهم ، وقد نبذوا في تحصيل المراتب العالية شواغل العلق ، وتدرعوا شعار الصدق بينهم وهم أصحاب الملق ، ومنعوا جفونهم من ورود حياض النوم إلّا تحله ، وظهروا بوجوه هي البدور ، وقسي هي الأهلة ، وتنقلوا في صيد النسور تنقل الرخ ، وصادوا الطيور في الجو ، لما
--> ( 1 ) أورد له المصنف ترجمة . ( 2 ) عقبانها : العقب العاقبة مثل عسر وعسر ومنه قوله تعالى هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً [ الكهف : 44 ] . وعقبانها أي فرسانها والذين يتعقبون الأعداء بعد فرارهم من المعركة . ( انظر : مختار الصحاح : 1 / 186 ) .