خليل الصفدي
10
أعيان العصر وأعوان النصر
جال في سرد مناقبهم وسرح ، وإيّاهم أراد ابن الرومي « 1 » لا من خاطبه ومدّ المدى لمّا مدح ، إذ يقول : من بحر ( الكامل ) آراؤكم ووجوهكم وحلومكم * في الحادثات إذا ادّجون نجوم منها معالم للهدى ومصالح * تجلو الدّجى والأخريات رجوم صلاة لا يملّ الزمان دوامها ، ولا يرى الدهر انصرافها وانصرامها ، ما نبت في رياض الدّياجي نرجس نجوم ، وراحت أطيار الدراري على نهر المجرّة وهي تحوم ، وسلّم تسليما كثيرا إلى يوم الدين . وبعد : فإن الوقوف على أخبار من تقدّم ، وخرب ربع عمره وتهدّم ، ووصف في حياته أو غادر للشعراء في رثائه لمّا تردّى ما تردّم ، ممّا تتشوّق النفوس إلى الوقوف عليه ، وتتشوّف بجملتها إليه ، فإنّه : « في الذاهبين الأوّلين لنا بصائر » ، وفي آثار من درج وأخباره أدلّة للتأسّي وأمائر ، وفي التفكّر في مصارعهم ما يصلح الظواهر والضمائر ، وقد حضّ القرآن على مثل هذا وحثّ ، ورمّ بوعظه ما رقّ من القسوة ورثّ ، والتاريخ فنّ لا يمله طرف مطالع ، ولا يسأمه سمع مصنع ولا مراجع ، ولا يخلو من يقف على التواريخ من فائدة ، ولا يطوي صحفها إلّا وقد حصل منها على صلة وعائدة ، ولا تمرّ به كائنة إلّا تنبه لها وأجراها على ما في ذهنه من القاعدة ، وما كانت التراجم في التواريخ إلّا كتاب ورد من غائب ، أو خبر جاء به نجّاب إما بالمحاسن أو بالمعايب . من بحر ( الطويل ) فلا تخلو مع بعدكم بوجوهكم * علينا إلّا أنّ الوجوه هي الكتب فكم قد سمعنا بموجود نتبيّن حاله ، ولا عرفنا حقّه ولا محاله ، ولا علمنا ما اتّصف به من ذمّ أو مدح ، ولا ما التحق به من موجب شكر وقدح ، وربّما كان للإنسان قريب وقد درج ، أو لزم وقد دخل هذه الدار وخرج ، ولا علم له بما عامله به زمانه ، ولا ما أحدث له حدثانه . من بحر ( الطويل ) وقد فارق النّاس الأحبّة قبلنا * وأعيى دواء الموت كلّ طبيب فإذا راجع التواريخ كان كمن شاهد من مضى ، وعاين ما جرى به القدر عليه
--> ( 1 ) ابن الرومي هو : علي بن العباس بن جريج الرومي أبو الحسن شاعر كبير من طبقة بشار والمتنبي رومي ، وولد ونشأ ببغداد عام 221 ه ، ومات مسموما عام 283 ه . ( انظر : وفيات الأعيان : 1 / 350 ، ومعاهد التنصيص : 1 / 108 ) .