محمد بن شاكر الكتبي
386
فوات الوفيات والذيل عليها
والفصل ربيع ، ومنظر الروض بديع ، والربى مخضرّة أكنافها ، مائسة أعطافها ، تبكي بها عيون السحاب فتتبسم ، وتخلع « 1 » عليها ملابس الشباب فتتقمص وتتعمم ، فما أتينا على مكان إلا وجدنا غيره أحقّ بالثناء وأجدر ، ولا أفل بدر من الزهر إلا بزغت شمس فقلنا هذا أكبر ، حتى إذا بلغت النفس أمنيتها ، وأقبلنا على دمشق فقبّلنا ثنيتها ، رأينا منظرا « 2 » يقصر عنه المتوهم ، ويملأ عين الناظر المتوسّم ، ظلّ ظليل ، ونسيم عليل ، ومغنى « 3 » بنهاية الحسن كفيل ، يطوى الحزن بنشره ، ويقف قدر البلدان دون قدره ، فيصغر عند صفته شعب بوّان ، ويغمد في مفاصله سيف غمدان ، ويبهت لمباهاته ناظر الإيوان ، فالأغصان مائسة في سندسيّها ، متظاهرة بفاخر حليّها ، قد ألقحتها الأنهار فأثقلتها بحملها ، ولا عبتها الصبا فتلقت كلّ واحدة بمثلها : لها ثمر تشير إليك منه * بأشربة وقفن بلا أواني « 4 » وأمواه يصلّ بها حصاها * صليل الحلي في أيدي الغواني فسرنا منها بين جنات ، كظهور البزاة ، وجداول كبطون الحيّات ، قد هزّ الشوق أطيارها فصدحت ، وحرك النسيم رباها فنفحت ، فحنت عليها أفنانها حنوّ الوالدات على اليتيم ، وحجبت عن معارضتنا حاجب الشمس وأذنت للنسيم ، فإذا أصابت شمسها فرجة لاحظتنا ملاحظة الحياء ، وألقت فضة الماء شعاعها فصححت صنعة الكيمياء ؛ ثم أفضينا إلى فضاء قد أثرى من الروض ثراه ، وغني عن منّة السحاب ذراه ، قد تشابه فيه الشقيقان خدا وزهرا ، واقترن به الياسمين أقاحا وثغرا ، وتغاير أخضراه آسا وعذارا ،
--> ( 1 ) ص : ويخلع . ( 2 ) ص : منظر . ( 3 ) ص : ومعنى . ( 4 ) الشعر للمتنبي .