محمد بن شاكر الكتبي
320
فوات الوفيات والذيل عليها
وطلب الماء فمنعوه من ذلك حتى أغمي عليه ، فأخرجوه وسقوه ماء بثلج فشربه وسقط ميتا . وقال سبط ابن الجوزي في المرآة : لما أوقفوه في الشمس طلب نعلا فلم يعطوه ، فأسبل سراويله على رجليه ، وقيل إنهم نزعوا أصابع يديه ورجليه ثم خنقوه ، وقيل أدخلوه سردابا مجصصا جديدا فاختنق ، ولم يعذب خليفة بمثل ما عذب على صغر سنّه ؛ وتوفي يوم السبت لست خلون من رمضان « 1 » سنة خمس وخمسين ومائتين ، ودفن إلى جانب أخيه المنتصر . وكان أبيض جميل الوجه ، على خدّه الأيسر خال أسود ، وصلّى عليه المهتدي . وأمّه رومية ، وكان نقش خاتمة « المعتز باللّه » وهو ثالث خليفة خلع من بني العباس ، ورابع خليفة قتل منهم . قال البحتري : كنت صاحبا لأبي معشر المنجم ، فتضايقنا مضايقة شديدة ، فدخلنا على المعتز وهو محبوس قبل أن يلي الخلافة ، فأنشدته أبياتا كنت قلتها « 2 » : جعلت فداك الدهر ليس بمنفكّ * من الحادث المشكوّ والنازل المشكي وما هذه الأيام إلا منازل * فمن منزل رحب إلى منزل ضنك وقد هذّبتك الحادثات وإنما * صفا الذهب الإبريز قبلك بالسبك أما في رسول اللّه يوسف أسوة * لمثلك محبوسا على الظلم والإفك أقام جميل الصبر في السجن برهة * فآل به الصبر الجميل إلى الملك فدفع الورقة إلى خادم على رأسه وقال : احتفظ بها فإن فرّج اللّه تعالى ذكّرني لأقضي حاجتهم ، وكان أبو معشر قد أخذ له طالعا لمولده فحكم له بالخلافة بمقتضى الطالع ، فلما ولي الخلافة أعطى كل واحد منا ألف دينار ، وأجرى له في كل شهر مائة دينار .
--> ( 1 ) الوافي : من شعبان ، وقيل في اليوم الثاني من رمضان . ( 2 ) ديوان البحتري : 1567 وكان البحتري قد قال هذه الأبيات في أبي سعيد الثغري .