محمد بن شاكر الكتبي
415
فوات الوفيات والذيل عليها
حنبليّا فصار حنفيا « 1 » ، وكانت فيه شراسة على من يقرأ عليه ، ولم يكن يلبس سراويل « 2 » ولا على رأسه غطاء ، وتوفي في جمادى الأولى سنة ست وخمسين وأربعمائة ، ببغداد . وكان قد سمع من ابن بطة كثيرا وصحبه ، وكان إذا ذكر المتنبي يعظمه ، وكان يخرج من داره وقد اجتمع على بابه من أولاد الرؤساء جماعة ، فيمشي وهم معه ، ويلقي على ذا مسألة وعلى ذا مسألة ، وكان يتكبر على أولاد الأغنياء ، وإذا رأى الطالب غريبا أقبل عليه ، وكان يعجبه الباذنجان ويقول في تفضيله : إنّ الناس يأكلونه ثمانية أشهر في العام ، وهم أصحاء ، ولو أكلوا الرمان أربعة أشهر فلجوا . ولما ورد الوزير عميد الملك الكندري إلى بغداد استحضر ابن برهان ، وأعجبه كلامه ، وأمر له بمال فأبى أن يقبله ، فأعطاه مصحفا بخط ابن البواب وعكازا مليحة حملت إليه من بلاد الروم ، فأخذهما وعبر إلى منزله ، فدخل عليه أبو علي بن الوليد المتكلم ، فأخبره بالحال ، فقال له : أنت تحفظ القرآن وبيدك عصا تتوكأ عليها ، فلم تأخذ شيئا « 3 » فيه شبهة ؟ فنهض ابن برهان ودخل على قاضي القضاة أبي عبد اللّه بن الدامغاني وقال له : قد كدت أهلك لولا نبهني أبو عليّ بن الوليد ، وهو أصغر مني سنا ، وأريد أن تعيد هذه العكازة وهذا المصحف على عميد الملك ، فما يصحباني ، فأخذهما وأعادهما إليه . وكان مع ذلك يحب المليح مشاهدة ، وإذا حضر أولاد الأمراء والأتراك وأرباب النعم يقبّلهم بمحضر من آبائهم ، ولا ينكرون عليه ذلك لعلمهم بدينه وورعه . وكان يقول : لو كان علم الكيمياء حقا لما احتجنا إلى الخراج ، ولو كان
--> ( 1 ) ص : حنيفيا . ( 2 ) ص : سراويلا . ( 3 ) ص : شيء .