محمد بن شاكر الكتبي

381

فوات الوفيات والذيل عليها

أصبح وطلع إلى القلعة أمسك واشتغل الناس بأمره ، وطلب البابا ، وجهز إلى الوالي فقال له رفقاه : ما كان القاضي كريم الدين وعدك ؟ روح إليه ، فقال : يا قوم إنسان قد أمسك وصودر أروح إليه ؟ فقالوا له : روح إليه فراح إليه ، وكان قد أمر له بالمقام في القرافة ، فلما دخل عليه شكا إليه حاله ، فقال له : يا ابني جيت لي وأنا في هذه الحال ؟ ثم رفع جنب المقعد وقال : خذ هذه الدراهم استعين بها ، وكانت قريب الألفين ، فلما أخذها وخرج قال لذلك العبد : ما كنت قد أعطيتك حياصة لهذا البابا ؟ قال : نعم ، فها هي ، فقال : هاتها ، فأخذها ودفعها إلى البابا وقال : هذه الحياصة أعطيهم إياها ، والدراهم أنفقها عليك ، فطلع بالحياصة وأعطاها للمملوك ، فدخل بها إلى الأمير سيف الدين بكتمر ، فأحضره وقال : قول لي أمر هذه الحياصة ، فحكى له ما جرى له مع كريم الدين ، فقيل إن بكتمر الساقي لطم على وجهه وقال : يا مسلمين ، مثل هذا يمسك ؟ وكان قد أمسك بغير رضاه . وقيل إن علاء الدين ابن عبد الظاهر ونجم الدين ابن الأثير قعدا يوما على باب القلعة ، وأجريا ذكر كريم الدين ومكارمه ، فقال علاء الدين : ما مكارمه إلا لمن يخافه فهو يصانع عن نفسه ، فما كان بعد يومين أو ثلاث حتى احتاج نجم الدين إلى رصاص يجعله قدور حمام ، فكتب ورقة إلى كريم الدين يسأله بيع جملة من الرصاص بديوان الخاص ، فحمل إليه جملة كثيرة فضلة عما طلب بثلاثون قنطارا ، ولم يأخذ له ثمن . وأما علاء الدين ابن عبد الظاهر فإنه تركه يوما وهو في بستانه وانحدر إليه في البحر ، فلم يشعر به إلا وقد أرست حراقته على زربية « 1 » علاء الدين ، فنزل إليه وتلقاه واندهش لقدومه ، فحلف أنه ما يأكل ما يحضره إليه من

--> ( 1 ) وردت في المصادر : زريبة - بتقديم الياء المثناة - ولا أستبعد أن يكون هذا الشكل للفظة خطأ ، وأن الصواب ما أورده المؤلف ، وعلى هذا فإن الزربية هي التي ذكرها دوزي ( في مادة : زريبة ) وعرفها بأنها كوخ جدرانه من جرائد النخل ، يتخذه المرء مأوى يرتاح فيه ( ويبدو أنها كانت تتخذ على النيل ) .