محمد بن شاكر الكتبي

22

فوات الوفيات والذيل عليها

تحدثهم كيف رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وما ذا قال لك ؛ فعندها تنفّس الشيخ وتكلم بصوت كصوت النحل بالفارسية ، ونحن نسمع ونفهم كلامه ، فقال : سافرت مع أبي وأنا شاب من هذه البلاد إلى الحجاز في تجارة ، فلما بلغنا بعض أودية مكة ، وكان المطر قد ملأ الأودية بالسيل ، فرأيت غلاما أسمر اللون حسن الكون رائع الجمال وهو يرعى إبلا في تلك الأودية ، وقد حال السيل بينه وبين إبله ، وهو يخشى من خوض السيل لقوته ، فعلمت حاله فأتيت إليه وحملته وخضت به السيل إلى عند إبله ، فلما وضعته عند إبله نظر إلي وقال لي بالعربية : بارك اللّه في عمرك ، بارك اللّه في عمرك ، بارك اللّه في عمرك ، فتركته ومضيت إلى سبيلي ، إلى أن دخلنا مكة وقضينا ما كنا أتينا له من أمر التجارة وعدنا إلى الوطن ، فلما تطاولت المدّة على ذلك كنا جلوسا في فناء ضيعتنا هذه ، وكانت ليلة البدر ، فنظرنا إليه وقد انشقّ نصفين ، فغرب نصف في المشرق ونصف في المغرب ، ساعة زمانية ، وأظلم الليل ، ثم طلع النصف من المشرق ونصف الآخر من المغرب ، [ وسارا ] إلى أن التقيا في وسط السماء كما كان أول مرة ، فعجبنا من ذلك غاية العجب ، ولم نعرف لذلك سببا ، وسألنا الركبان عن خبر ذلك ، فأخبرونا أن رجلا هاشميا ظهر بمكة ، وادعى أنه رسول اللّه تعالى إلى كافة الخلق ، وأن أهل مكة سألوه معجزة كمعجزة سائر الأنبياء ، وأنهم اقترحوا عليه أن يأمر القمر فينشق في السماء ويغرب نصفه في الغرب ونصفه في الشرق ثم يعود إلى ما كان عليه ، ففعل ذلك بقدرة اللّه تعالى ، فلما سمعنا ذلك من السفار اشتقت إلى أن أراه ، فتجهزت في تجارة وسافرت إلى أن دخلت مكة ، وسألت عن الرجل الموصوف فدلّوني عليه ، فأتيت إلى منزله واستأذنت عليه ، فأذن لي فدخلت عليه ، فوجدته جالسا في صدر المنزل ، والأنوار تتلألأ في وجهه ، وقد استنارت محاسنه وتغيرت صفاته التي كنت أعهدها في السفرة الأولى ، فلم أعرفه ، فلما سلّمت عليه ردّ عليّ السلام وتبسم في وجهي وقال : ادن مني ، وكان بين يديه طبق فيه رطب ، وحوله جماعة من أصحابه