الذهبي
53
العقد الثمين في تراجم النحويين
السعادات الواسطي النحوي الضرير . حفظ القرآن ، وتلا بالروايات على جماعة . وقدم بغداد شابا ، فسمع من أبي زرعة المقدسي ، ويحيى بن ثابت ، وأحمد بن المبارك المرقعاتي ، وأبي محمد ابن الخشاب ، ولزمه في العربية . قال ابن النجار : قرأ الأدب على أبي سعيد نصر بن محمد المؤدب ، وقدم بغداد مع والده ، فسكنها ، وقرأ الأدب على ابن الخشاب ، وقرأ جملة من كتب النحو واللغة والشعر على أبي البركات الأنباري من حفظه ، وذكر لي أنه قرأ نصف " كتاب سيبويه " من حفظه عليه أيضا ، وأنه كان يحفظ في كل يوم كراسا في النحو ويفهمه ويطارح فيه ، حتى برع ، وكان يتردد إلى منازل الصدور لإقراء الأدب ، وكان شديد الذكاء ، ثاقب الفهم ، كثير المحفوظ ، مضطلعا بعلوم كثيرة : النحو ، واللغة ، والتصريف ، والعروض ، ومعاني الشعر ، والتفسير ، ويعرف الفقه والطب وعلم النجوم وعلوم الأوائل . قلت : لو جهل هذين العلمين لسعد . قال : وله النظم والنثر ، وينشئ الخطب والرسائل بلا كلفة ولا روية ، ويتكلم بالتركية والفارسية والرومية والأرمنية والحبشية والهندية والزنجية بكلام فصيح عند أهل ذلك اللسان . وكان حليما بطيء الغضب ، متواضعا ، دينا ، صالحا ، كثير الصدقة ، متفقدا للفقراء والطلبة ؛ تفقه أولا لأبي حنيفة ، ثم تحول شافعيا بعد علو سنه ، وولي تدريس النحو بالنظامية ، إلى أن مات ، قرأت عليه كثيرا ، وهو أول من فتح فمي بالعلم ؛ لأن ، أمي أسلمتني إليه ولي عشر سنين ، فكنت أقرأ عليه القرآن والفقه والنحو ، وأطالع له ليلا ونهارا ، وإذا مشى ، كنت آخذا بيده ، وكان ثقة نبيلا ، أنشدني لنفسه : أيها المغرور بالدنيا انتبه * إنها حال ستفنى وتحول واجتهد في نيل ملك دائم * أي خير في نعيم سيزول لو عقلنا ما ضحكنا لحظة * غير أنا فقدت منا العقول