بهاء الدين الجندي اليمني
65
السلوك في طبقات العلماء والملوك
لها بابان أحدهما للدراية والآخر للرواية ، فغرضي أن أذكر أهل البابين : الدراية ، والرواية لا من حقق العلم وأكمل شروطه وتميز أهل زمانه وأوانه بل كما فعل ذلك من سبقني من المصنفين لذلك المطيلين منهم والمقصرين ، ولو أراد أحد حصر تصنيفه بذكر من أكمل العلم معرفة لعجز . فإن ذلك أمر لا ينتهي ، واللّه يقول : وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ « 1 » . قال المفسرون معناه فوق كل عالم أعلم منه « 2 » حتى ينتهي إلى اللّه مفيض ما يشاء من علمه على من اختص من خلقه ، ومن ذلك ما روي عن علي كرم اللّه وجهه أنه قال : العلم أكثر من أن يحفظ فخذوا عن كل عالم محاسنه « 3 » . وما روي عن جعفر بن الأشج « 4 » أنه قال : العلم كالمال متى كان بيد الإنسان منه شيء سمي موسرا وكذا من حوى شيئا من العلم سمي عالما ، وكذلك يحوي الإنسان مالا كثيرا فلا يزاد على اسم اليسار ، كما أن العالم وإن كثر علمه لا يزاد على العالم لكن يتميزان بالأفضلية فيقال أغنى من فلان كما يقال أعلم منه وإلى هذا المعنى أشار القائل بقوله : من الناس من يدعى الإمام حقيقة * ويدعى كثير بالإمام مجازا ولكن متى يخفى الصباح إذا بدا * وحل عن الليل البهيم طرازا ثم قد يقول جاهل أو متجاهل ما الفائدة الحاصلة في ذكر من أوردته وقص قصص من توخيته فأجبت الأول بالسلام « 5 » والآخر أن في ذلك فائدتين إحداهما ما ذكرت أولا من ذكر القرآن للأنبياء وأممهم والقرون الماضية ومن تبعهم ، والأخرى أن المتأخر متى وقف على خبر من تقدمه من الفضلاء أو سمع كيف تشميرهم وإقبالهم على العلم وطلبه تاقت نفسه إلى الاقتداء بهم والانسلاك في سلكهم والتحقيق
--> اللغوي صاحب التآليف الكثيرة التي قد طبع منها الكثير ترجم له ابن خلكان وغيره وكانت وفاته ليلة عرفة سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة من الهجرة في بلده زمخشر . ( 1 ) يوسف 76 . ( 2 ) كذا في « ب » وفي « د » وفوق كل ذي علم عليم والصواب ما في « ب » . ( 3 ) كذا في « ب » وفي « د » عن كل علم محاسنه . ( 4 ) لم أجد لجعفر ترجمة فيما بين يديّ . ( 5 ) كأنه أشار إلى قوله تعالى : وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً الفرقان - 36 .