بهاء الدين الجندي اليمني
63
السلوك في طبقات العلماء والملوك
أقوال : أحدها التواضع والخشوع تعظيما له وتوقيرا لعلمه كما قال تعالى : وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ « 1 » وقيل وضع الجناح معناه « 2 » الكف عن الطيران وألحق بالعالم جليسه لاستماع الذكر منه كما جاء في خبر آخر : ما من قوم يجلسون مجلس ذكر إلا غشيتهم الرحمة ، وحفتهم الملائكة . قيل لعطاء بن أبي رباح « 3 » ما مجالس الذكر فقال : هي التي تعرف بها كيف تأكل وكيف تشرب وكيف تنكح وكيف تبيع وكيف تبتاع وكيف تقيم فرائض اللّه عليك وسنن نبيه ومتى جوازها ووجوبها - ألا ترى أن اللّه تعالى يقول : فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ « 4 » إذ لا يسأل الجاهل عن أمره الذي لا يعلمه غير من يعلمه فنزلت هذه الآية على أن أهل الذكر هم العلماء . والقول الثالث أن معنى فرش الجناح ليحمل الطالب عليه ليبلغه وطره ، ويقرب عليه البعيد من مقصده كما شاهد ذلك جمع من المتقدمين والمتأخرين ونقل لنا نقلا متواترا كما سنذكر ذلك في ذكر الحافظ العرشاني إن شاء اللّه تعالى . وقوله وإنّ العالم يستغفر له من في السماوات و « من » « 5 » في الأرض حتى الحيتان في جوف الماء فكان استغفار أهل السماء لما لهم على ألسن العلماء من الذكر بجميل الأفعال واعتقاد التفضيل لهم والتبجيل وتمييز مقربهم « 6 » عن غيرهم وأمد الأرض لما لهم على ألسن العلماء من التحليل والتحريم والمستحب والمكروه في الآدميين ومن طريق ذلك ، أمره لهم بحقوق من ولوا أمره بملك أو استحقاق ، وكيف صفة ذلك ، وأما الثواب لفاعله والعقاب لتاركه ثم تعريفهم للمستباح منها أكولا وحمولا وحلوبا وركوبا ، وما الذي يجمع ذلك كالإبل وما لا يجمعه ثم تعريفهم بما يحل وبما لا يحل وكيف بيان تحليله من تحريمه ومن قبيل هذه الحيتان ، وذكر الشارع ذلك مبالغة واستقصاء واستغراقا ، إذ هم المرشدون إلى المصلحة في بابها ، والموصون بالإحسان إليها وأن لا تعارض عبثا ولذلك ألهمت محبتهم والاستغفار لهم كما جاء في الخبر والأحاديث الدالة على فضل العلم وأهله يطول ذكرها .
--> ( 1 ) الإسراء - 34 . ( 2 ) وضع الجناح معناه من « ب » وزيادة والنزول عنه . ( 3 ) تأتي ترجمته للمؤلف . ( 4 ) النحل - 43 . ( 5 ) ما بين القوسين منا كما سبق الحديث . ( 6 ) كذا في « ب » وفي « د » معرفتهم .