بهاء الدين الجندي اليمني
437
السلوك في طبقات العلماء والملوك
الشيخين أبي بكر وعمر رضي اللّه عنهما ، فسألوه عن دينه فأخبرهم فالتزموا له بذلك وأن يسدّوا فاقته ، فلما جاء وقت الخطبة صعد المنبر وخطب حتى جاء موضع ذكر الشيخين فقال : واعلموا رحمكم اللّه أن ذكر الشيخين أبي بكر وعمر رضي اللّه عنهما ليس شرطا في الخطبة وقد حصل لي ببركتهما كذا وكذا دينارا وكذا وكذا ذهبا « 1 » من الطعام فعلى مبغضهما لعنة اللّه ولعنة اللاعنين . وكان الشيعة قد اجتمعوا من أماكن شتّى ليسمعوا بإسقاط الشيخين إلى الجامع ( فلما عمل هذا ما عمل ) « 2 » فحين سمعوا ذلك ساءهم وشقّ بهم وقالوا لم يرض إلّا سبّنا وذكرهما بأحسن ما كانا يذكران به ، ثم لما خرجوا من الجامع اتفقوا على الرواح إلى بيت المعز وملازمته بالإرسال على الخطيب والأمر له بأن يبقى على العادة المتقدمة ، ففعلوا ذلك وفعله المعزّ « 3 » خشية بقاء سبّ مبغضيهما « 4 » بعد أن قال لهم واللّه لقد كنت خاشيا عليكم وعلى الخطيب أن تقع العامّة بكم وبه ، وقد سمعت من يذكر أن الخطيب لم يكن هذا وإنما كان رجلا من أهل صهبان يسمى الصبح واللّه أعلم بالصواب . . وقد عرض معه ذكر عبد اللّه بن أسعد بن ناجي التباعي ، وهو أحد أعيان اليمن وأخيار الزمن ، وكان مشهورا بالكرم وسعة الجود والنعم ، له عطايا جمة مسكنه قرية المخادر قد مضى ذكرها ، ونال هذا عبد اللّه وأخوه مكانة عظيمة ورزقه اللّه سماحة نفس وعلوّ همة ، بحيث سمعت له مكارم يطول تعدادها ويكثر إيرادها ، وكان قد استماله بعض الإسماعيلية ودخل بمذهبه وصار عليه مع تستّر ، فإنه ليوم قاعد في الجامع بالمخادر وهو حافل بجمع من الفقهاء والطلبة ، إذ قرأ بعضهم بصوت حسن سورة « المؤمنين » حتى قرأ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ « 5 » إلى أن بلغ قوله : ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ ، ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ ثم جعل يرددها فحكي أنه بكى حتى غشي عليه ، ثم أفاق وتشهّد واستغفر اللّه تعالى ونزل على طريق السنة « 6 » لا يبدو منه ما يخالفها حتى توفي ، وكان قد حدث له في تلك المدة التي أقام بها خارجا أولاد
--> ( 1 ) الذهب : بفتح الذال المعجمة وسكون الهاء آخره باء موحدة : مكيال معروف كالقدح . ولا زال يستعمل في الجبال ثم انقرض واستبدل بالقدح أما في زبيد فلا يزال مستعملا . ( 2 ) هذه الزيادة من « ب » . ( 3 ) كان في الأصلين المعتز والتصحيح مما سبق ومنا . ( 4 ) كذا في « ب » وفي « د » سقط « سبّ » . ( 5 ) المؤمنون - 13 . ( 6 ) كذا في « د » وفي « ب » ولم يزل على طريق السنة .