بهاء الدين الجندي اليمني

433

السلوك في طبقات العلماء والملوك

طوبى لمن عاش بعض يوم * ونفسه فيه مطمئنه ولا له في الملا عدوّ * ولا لخلق عليه منّه وهذا هو صاحب القصّة المشهورة مع الأمير عليّ بن يحيى وذكرتها خشية أن يقع كتابي مع من لم يكن علمها ، وذلك أن الأمير علي بن يحيى كان على الصفة المتقدمة من الإنسانية والمحبة للفقهاء والفضلاء وصحبتهم كما ذكرته ، فقدر أنه عمل طعاما لجماعة من أصحابه ، هذا الفقيه من جملتهم ، وعمل فيه ظرفا مملوءا لحوحا « 1 » وزوما ووضع بموضع فيه بعد عن الفقيه ، فلما اجتمعوا على الطعام صار الفقيه يتناول منه فلا يناله إلا بتكلف فأنشد الأمير : بعد اللحوح عن الفقيه الأوحد * عثمان خير بني البريّة عن يد فأجابه الفقيه مرتجلا : ترد المراسم إن أمرت بنقله * ويطول منك الباع إن قصرت يدي فقام الأمير مسرعا من مكانه واحتمل الظرف ووضعه بين يدي الفقيه ، ثم لما انقضى الطعام جعل الأمير يحدث الفقيه ويقول : يا سيدي الفقيه إني رأيتك تحب اللحوح وقد وهبتك جربتي الفلانية تكون برسمه ، فقبلها الفقيه وهي جربة تساوي ألف دينار على قرب من الملحمة ، هي بيد ذريته إلى الآن ، فرحم اللّه علي بن يحيى ما كان ألطف شمائله وأكثر فضله وفضائله . وقد تقدّم ذكره مع بني مضمون ، وكانت وفاته يوم الأحد لثلاث بقين من رمضان سنة ثلاث وستين وستمائة ، وذلك بقرية الملحمة مع أبيه يحيى وأخوته أبي بكر وعلي ، فقبر الأب وأبناؤه أبو بكر وعلي في فسقية « 2 » هي شرقي مسجدهم ، فلما دنت وفاة عثمان قيل له نقبرك مع أبيك وإخوتك قال لا ، إنني أخشى أن أؤذيهم ، هم كانوا على طريق كامل من الورع ، فقبر بقبر قريب منهم ، ثم لما توفي عثمان خلفه برئاسة أهله ، واشتهر بالفقه ابن له اسمه يحيى ، مولده آخر نهار الجمعة لخمس خلون من صفر سنة سبع عشرة وستمائة ، وكان خيّرا ذا دين وورع ، نزل من بلده إلى ذي جبلة فدرّس بالمدرسة الشرقية ، وكان

--> ( 1 ) اللّحوح بفتح اللام وضم الحاء المهملة ثم واو وحاء مهملة أيضا : معروف ومستعمل لهذه الغاية ، وقد بيّنت صفة عمله في الجزء الأول من تاريخ اليمن الاجتماعي ص 128 وكذلك « الزوم » في ص 130 . ( 2 ) الفسقية : بكسر الفاء وسكون السين المهملة وكسر القاف ثم ياء مثناة من تحت ثم هاء : الحوض يتوضأ منه ، وتعرف بالبركة التي طولها قدر إنسان متوسط القامة وعرضها ذراعان أو ثلاثة ، وأكثر ما تكون في الحمامات العامة وقرب المخلع للثياب والكلمة مستعملة من الدخيل .