بهاء الدين الجندي اليمني

395

السلوك في طبقات العلماء والملوك

والتعرض للخدمة إما مكان أبيه أو غيره ، فخرج من ذي الجنان وصار قاصدا باب السلطان ، فلما صار بشيء من الطريق إذ بطائر أخضر قد وقع على كتفه ثم مدّ منقاره إلى فيه ففتح الشيخ فاه له فصب الطائر إليه شيئا فابتلعه الشيخ ثم عاد من فوره إلى بلده فلزم الخلوة أربعين يوما ، ثم في اليوم الحادي والأربعين خرج من المتعبّد وقعد على صخرة يتعبّد ، فانفلقت الصخرة عن كفّ وقيل له : صافح الكف فقال : ومن أنت ؟ قال له : أبو بكر ، فصافح فقال له : قد نصبتك شيخا ، وإلى ذلك أشار في شيء من كلامه الذي يخاطب به أصحابه حيث يقول : وشيخكم أبو بكر الصديق ، ثم ألقى له الحب في قلوب الناس والوجاهة ، فتحكّم له قوم كثير وله كتب في المواعظ . نحا نحو ابن الجوزي « 1 » ولذلك كان يقال له : جوزي اليمن ، وذكروا أنه لما اجتمع بالشيخ أبي الغيث المقدم ذكره بعد مكاتبة كانت بينهما يطول ذكرها وفاتحة الكلام وأجابه أعجبه ، وعلم أنه أعجب بذلك قال له : أنت جوزي الوقت ، وأنا دورته وأخشى دورتي تكسر جوزتك ، ثم إن الشيخ أملى شيئا من كلامه على بعض الحاضرين فكتبه ثم قال للكاتب أعط الورقة لأحمد ، فلما أخذها قال : يا أحمد ، أتمّ هذا الكلام ، فأخذ الورقة وقبلها وقال : لا يحسن للعبد أن يكمل كلام سيده ، ثم إنه عاد من بيت عطا بغير دستور من أبي الغيث فقصده بعد ذلك فلم يجده ، فقال : ولو وقف الجبلي لأخذ القماش . وكانت بينهما مكاتبات يطول شرحها ، وله في التصوف فصول كثيرة يتكلم بها على لغات شتى ، فسئل بعض العارفين من أين كان الشيخ يعرف تلك اللغة وهو عربي ولم يكد يعرف له خروج من بلده . وأهلها عرب لا يعرفون غير العربية ؟ فقال : كانت روح الشيخ مهبطا لأولياء اللّه ، ولهم لغات كثيرة يتكلمون بها على لسان الشيخ فنطق بها كما يقولون . والدليل على ذلك أنه كان يكتب كلامه الذي ينطق به بآلات متفرقة ، ثم يستعرض ذلك مما لم يدركه غسله وقال : كان الشيخ أشوق إلى كلامه من سامعيه ، وكان متى علم أن في السامعين لكلامه من لا يفهمه قال معرّضا به : يا واقفا على الماء وهو عطشان وسأله السلطان علاء الآتي ذكره في فقهاء الأجناد ، وهو من أكبر أصحابه ، عن أرجى آية في القرآن قال : قوله تعالى : قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ « 2 » قال : إذا كانت

--> ( 1 ) تقدمت ترجمته . ( 2 ) الإسراء - 85 .