بهاء الدين الجندي اليمني
383
السلوك في طبقات العلماء والملوك
فقيها متفننا بالفقه والنحو واللغة ، تفقّه في بدايته ببعض أهله وأخذ النحو عن محمد بن سعيد الحميري وحج مكة فأدرك ابن حسن فأخذ عنه وعن من وجد بمكة حينئذ . قال بعض الفقهاء من أهل ناحيته حين سألته عن حقيقة أمره : هو شيخ الأدب ، إليه انتهى العلم والفضل والفقه والدين والكمال والورع والصلاح لم يكن فيمن علمت مثله قبله ولا بعده في كمال طريقه وحسن تحقيقه وكانت وفاته في آخر المائة السابعة ، وانتجع عن البلد منهم أبو الحسن علي بن محمد ، تفقّه بمصنعة ( سير ) وتفقّه بالأصبحي وكان أفقه أصحابه ، وأدركته يدرّس فيها وأخذت عنه بعض كافي الصردفي وسيأتي ذكره في مدرّسي المصنعة وهم بيت علم وصلاح . ولقد كتب فقيه ناحيتهم في عصرنا الآتي ذكره إليّ حين كتبت إليه أسأله عن الفقهاء بناحيته فأخبرني عن ذلك حتى جاء إلى ذكر هؤلاء بني عبد الملك فقال : وأما السادة بنو عبد الملك في عمق فهم الفضلاء القضاة العلماء الأتقياء الأبرار الأخيار المنتخبون ممن سمعنا منهم وعدّ جماعة ممن ذكرنا . وقد عرض ذكر الشيخ جوهر في غير هذا الموضع لكن رأيت ذكره هنا أولى لكونه من ناحيته وممن له على هؤلاء القوم إفضال وأنه معدود من أعيان الفضلاء ، وهو أبو الدر جوهر بن عبد اللّه المعظّمي ، كان أستاذا حبشيا من موالي الزريعيين ونسبته المعظّمي إلى الداعي محمد بن سبأ ، فإنه كان يلقب بالمعظّم وخلفه في حصن الدملوة وسيأتي ذكره أعني سيّده في الملوك . ولما توفي المعظّم خلفه ابنه عمران الملقب بالمكرم أبقى جوهرا على نيابة الدملوة ، ثم لما دنت وفاته جعله وصيا على أولاده وكانوا يومئذ صغارا كلّهم فنقلهم من عدن إلى الدملوة وأكرمهم وقام بكفايتهم أحسن قيام وعضده في ذلك الشيخ ياسر بن بلال بن جرير المحمدي إذ كان وزيرا لعمران ومديرا لدولته ، كما كان أبوه مع أبيه كما سيأتي بيان ذلك إن شاء اللّه وكان جوهر عبدا مباركا تقيا ومشتغلا بالعلم أجمع فقهاء عصره على تسميته بالحافظ ، وكان مع ذلك فقيها مقرئا قلّ أن يحفظ شيئا فينساه ، وله مصنفات في علم القرآن والحديث والوعظ وكان يسلم من مذهب مواليه ويعتمد خطّه فقهاء زمانه من أهل السنة يواصلهم ويواصلونه ومن كتبه التي صنفها في المواعظ كتاب سماه « تذكرة الأخيار ومدحزة الأشرار » وما أحسن قوله في خطبته : « لما علمت أن الموت موردي والقبر مشهدي جعلته تنبيها لنفسي من الغفلة وتذكرة لي قبل يوم الرحلة ، لعل يتغمدني اللّه بالعفو عن قبيح ما أسديته ويتجاوز عن شنيع ما جنيته » . وأفهم من هذه الخطبة أنه قد عمل كتابين أحدهما كتاب المناجاة والأدعيات والآخر كتاب الرسائل وشريط الوسائل وله كتاب سماه « اللؤلؤيات » جعله فصولا في المواعظ ، واستفتح كل فصل منها