بهاء الدين الجندي اليمني

37

السلوك في طبقات العلماء والملوك

أما من جهة داخل اليمن فقد شهدت نهضة شاملة في شتى الميادين من عمرانية وعلمية وثقافية وزراعية ، كل ذلك لمّا ساد به الأمن ، والاستقرار والرخاء خصوصا اليمن الأسفل ، والقطر التهامي ، فإنهم شادوا المدارس في كل مدينة وفي القرى وخصوصا المدن الأربع : عدن والجند وتعز وزبيد وملحقاتها وجلبوا إلى هذه المدارس العلماء الأعلام للتدريس بها وأغدقوا عليهم الأرزاق الوفيرة فهرع إليها الطلاب من كل حدب وصوب يعلّون وينهلون من منهل عذب سائغ للشاربين كما أمّنوا لهم لقمة العيش فلا تسمع في تلك المدارس إلا أنها خلية من خلايا النحل لها دويّ كدويها في القفار . ناهيك أنهم كانوا يبنون المساجد ويعينون فيها مدرسا ومعيدا وإماما ومؤذنا ومعلما وأيتاما يعلمونهم القراءة ، ومقرئا يقرئهم القرآن مجوّدا بالقراءات السبع المشهورة . ومن دقة ملاحظاتهم وإحسانهم أنهم كلفوا من يتفقد الأيتام الذين فقدوا آباءهم وأمهاتهم أن يطهّروهم بالختان ، ويقوموا بالإشراف عليهم حتى يبرءوا وأوقفوا على كل ذلك ما يقوم لحاجياتهم وكفايتهم ومرتباتهم » من الأراضي والكروم : الأعناب والمستغلات من البنايات والحوانيت . ولم تقف حسناتهم عند هذا الحدّ بل شادوا المساجد المخصصة للعبادة والطاعة بفن معماري جميل وجروا إليها المياه العذبة كما بنوا حولها السقايات لشرب الناس ، والأحواض لشرب الحيوانات السائمة وكذلك بنوها في الطرقات المنقطعة عن الحي والتي لا يصل إليها الناس إلا بشق الأنفس . وما زلنا نشاهد بقية السّواقي المقضضة والمجاري في كل منعطف ومنعرج إذ هي أثر من تلك الحضارات والمحاسن . ورفعوا إلى جانب المساجد - المنارات الكبار والحسنة الصنع والمتقنة ورتبوا فيها المؤذنين ذوي الأصوات الحسنة . ولقد حدثني الأخ العلامة أحمد بن علي بن عبد الكريم المجاهد التعزي سنة 1356 « ست وخمسين وثلاثمائة وألف » بروايته عن تاريخ أو عن رواية ثقات « الشك مني » أنه لما أسر الملك المظفر يوسف - الإمام إبراهيم بن تاج الدين في قرية « أفق » غربي مدينة ذمار سنة 674 ، ونزل به إلى تعز صادف دخولهم إليها وقت الظهر والمؤذنون يؤذنون بالمنارات وإن أصواتهم غلبت أصوات الطبول : المرافع ،