بهاء الدين الجندي اليمني
315
السلوك في طبقات العلماء والملوك
فأبدأ بيحيى لكونه من أعيان الناس علما وعملا ، ولتقدّم زمانه وسلامته من البدعة . قال ابن خلكان في حقه هو أبو محمد يحيى بن أكثم بفتح الهمزة وسكون الكاف وفتح الثاء المثلثة وبعدها ميم بن محمد بن قطن بن سمعان بن مشينج التميمي « 1 » الأسيدي المروزي من ولد أكثم بن صيفي التميمي حكيم العرب « 2 » والأسيدي المروزي بضم الهمزة وفتح السين المهملة وخفض الياء المثناة من تحت وتشديدها ثم دال مهملة ثم ياء نسبة إلى بطن من تميم وكان سني المذهب سليما من البدعة ، وكان أحد أعلام الدنيا ، سمع من ابن المبارك وابن عيينة وغيرهما ، وربما قد ذكرت قصته مع ابن عيينة حين ذكرته ، وكان ممن اشتهر أمره وعرف خيره ولم يستتر عن الصغير والكبير من الناس فضله وعلمه ورئاسته وسياسته لأمره وأمر أهل زمانه من الخلفاء والملوك ، واسع العلم بالفقه كثير الأدب ، حسن العارضة ، قائم بكل معضلة غلب على المأمون حتى لم يتقدمه أحد عنده من الناس جميعا وقلّده قضاء القضاة وتدابير المملكة ، وكان أول ولاية تولاها البصرة سنة اثنتين ومائتين بعد إسماعيل بن حماد بن الإمام أبي حنيفة ، وكان يقول من قال إن القرآن مخلوق استتيب فإن تاب وإلّا ضربت عنقه . ويقال كان ليحيى هذا يوم في الإسلام ولم يكن لأحد مثله والعجب كيف أسقط الشيخ أبو إسحاق ذكره من طبقاته ، وكانت كتبه في الفقه أجل كتب تركها الناس لطولها ، وله كتب في الأصول كتاب أورده عن العراقيين سمّاه « التنبيه » وجرى بينه وبين داود بن علي الظاهري مناظرات كثيرة ، وكان من أدهى الناس وأخبرهم بالأمور سأله رجل وهو على القضاء فقال : أصلح اللّه القاضي ، كم آكل ، فقال : فوق الجوع ودون الشبع ، فقال : فكم أضحك فقال : حتى يسفر وجهك ولا يعلو صوتك ، قال : فكم أبكي ، قال لا تملّ البكاء من خشية اللّه ، قال : فكم أخفي عملي ، قال : ما استطعت ، قال : فكم أظهر منه ، قال : ما يقتدي بك البرّ الخيّر ويؤمن عليك قول الناس ، فقال : سبحان اللّه : قول فاطن وعمل طاعن . وأما يومه الذي يعدّ له وأنه لم يكن لأحد مثله فذكروا أن المأمون أمر مناديا ينادي بحلّ نكاح المتعة « 3 » فشق ذلك عليه فقال لمحمد بن
--> ( 1 ) قطن بالتحريك وسمعان : بفتح السين المهملة وسكون الميم آخره نون ومشينج : بضم الميم وفتح الشين المعجمة وفتح النون المشددة وفي آخره جيم . ( 2 ) أكثم بن صيفي : بفتح الهمزة وسكون الكاف وفتح الثاء المثلثة وبعدها ميم ، وهو الرجل العظيم وأكثم بن صيفي من حكماء العرب جاهلي لم يدرك الإسلام وله حكايات وكلمات مأثورة مبثوثة في كتب الأدب . ( 3 ) قال الحافظ الأمير في شرح سبل السلام ج 3 ص 170 ، عند شرحه لحديث سلمة بن الأكوع رضي اللّه -