بهاء الدين الجندي اليمني

307

السلوك في طبقات العلماء والملوك

الملوك من الوزراء والرؤساء كما هو مشاهد لا يكادون يحبون أن يجري على أيديهم شيء من الخير إلا النادر وهو لا حكم له ، وربما أن الملوك متى عملت خيرا سعوا في فساده وتغييره لا سيما إن عملوه بغير سعايتهم وإشارتهم « 1 » وربما حملهم ذلك على أمور نعوذ باللّه منها وليس هذا موضع ذكر ما كان . وكان أمره عجيبا في عمره يأتي ذكر اللائق من ذلك ، وولي القضاء في الجند أيام المفضل ثم صار قاضي القضاة من الجند إلى صنعاء ، ثم لما صارت البلاد لمحمد بن سبأ بالابتياع لها أبقاه وضم إليه الجؤة وعدن وأبين ولحج ونواحيها ، فصار قاضي قضاة فيها أجمع فنزل عدن وحكم بها وعاد الجند واستخلف ولده ، ولما قدم القاضي الرشيد بن الزبير من خلفاء مصر رسولا إلى محمد بن سبأ واجتمع به هذا أبو بكر ومازحه وأنس به وأحسن إلى الرشيد إحسانا تقر به العيون وينبئ عليه المكنون ، بحيث أن الرشيد لما عاد إلى مصر وسئل عمن باليمن من الفضلاء قال : بها جماعة سيدهم أبو بكر اليافعي وقاه اللّه ورعاه ، وكان يخالط الملوك ويكثر مجالستهم ومدحهم ، وبلغه أن جماعة عابوه على قول الشعر وقالوا : ليس ذلك لائقا بذي الفقه فقال في معنى ذلك : كم حاسد لي في الأنام وغابط * على منطقي إذ كان منطقه رخوا يعيّرني بالشعر قوم وبعضهم * يوبّخني والكل يخبط في عشوى أرادوا به عيبي وهل هو ناقص * إذا ما جمعت الفقه والشعر والنحوي وأصبحت في علم العروض مجودا * وقدّم قولي في الحكومة والفتوى وما كنت مدّاحا لنفسي وإنما * لأجعل أكباد العدى بالغضا تكوى ومن منثور كلامه في خطبة الديوان « 2 » : « ولا يظن ظانّ أن ذلك جهدي ، وكل ما عندي بل هناك همم تسمو إلى أرفع من الشعر رتبة ، ومذاكرة بعلم هو أقدم منه محبة ، وأمور نيطت في عراها ورسخت لا يرام قواها وهذه صناعة لها من أفكاري الفضلات ومن أوقاتي الغفلات ، فإليّ منهما كإلّ السقب من بازل النعام « 3 » وحظّها مني كحظّ الموافق من طيف المنام :

--> ( 1 ) قوله وإشارتهم من « ب » وفي « د » كلمة لم تظهر . ( 2 ) في خطبة ديون اليافعي . ( 3 ) الأول بكسر الهمزة وتشديد اللام من معانيه : الأصل قال يزيد بن زياد بن مفرغ الحميري : واشهد أن إلّك من زياد * كإلّ العير من ولد الأتان -