بهاء الدين الجندي اليمني
270
السلوك في طبقات العلماء والملوك
لذكرت طرفا جيدا منها ، وكان في غاية من الورع والتشدّد في الدين وعلى الجملة فمحاسنه أكثر من أن تحصر وسمع من لفظه ينشد : يا سائلي عني فإني * لأهل الفضل كلّهم غلام أحبّهم لأنهم قليل * وفي الأنذال والسّفل ازدحام وهذان البيتان حكمة ينبغي لأهل الفضل حفظهما وروايتهما ومن المسموع عنه لغيره : ولما وقفنا بالصراة « 1 » عشية * حيارى لتوديع وردّ سلام وقفنا على رغم الحسود وكلّنا * يفضّ على الأشواق كل ختام وشوّقني عند الوداع عفافه * فلما رأى وجدي به وغرامي تلثّم مرتابا بفضل ردائه * فقلت هلال بعد بدر تمام فقبّلته فوق اللثام فقال لي * هو الخمر إلا أنه بفدام ومنه أيضا : يا عبد كم لك من ذنب ومعصية * إن كنت ناسيها واللّه أحصاها يا عبد لا بد من يوم تقوم له * ووقفة منك تدمي القلب ذكراها إذا عرضت على نفسي تذكرها * وساء ظني قلت أستغفر اللّه ومما سمع من لفظه إلى هنا أخذته من المختصر الذي جمع في مناقبه وما قبل ذلك أخذته من كتاب ابن خلكان ، ولم يزل على الحال المرضي حتى توفي ليلة الأحد بعد العشاء حادي عشر من جمادى الآخرة الكائن في سنة ست وسبعين وأربعمائة وصلّى عليه الخليفة المقتدي بأمر اللّه ثم وزيره وقاضي القضاة وجميع الخدم بباب الفردوس ثم أخرج فصلى عليه صاحبه أبو عبد اللّه الطبري وجميع من في الجانبين ودفن في حائط بستان ظفر بالجانب الشرقي بباب أبزر ورثاه جماعة منهم أبو القاسم بن باقياء بقصيدة منها قوله : أجرى المدامع بالدم المهراق * خطب أقام قيامة الآفاق ما لليالي لا تؤلف شملها * بعد ابن بجدتها أبي إسحاق إن قيل : مات فلم يمت من ذكره * حيّ على مرّ الليالي باقي
--> ( 1 ) الصراة : بفتح أوله نهر ببغداد .