بهاء الدين الجندي اليمني
255
السلوك في طبقات العلماء والملوك
النكاح ، فأصروا على الامتناع ووثقوا بمشورته ثم لما عاد إلى جياش أخبره بتمنّعهم فلم يزل جياش يستدرجهم ويرغبهم بالمال حتى أجابوا وأزوجوه فلما زفت إليه المرأة وصارت معه سألها عن سبب التمنع فأخبرته بمقالة القاضي لهم فحمل عليه في باطنه حتى أنه قتله ظلما وعدوانا وذلك لبضع وثمانين وأربعمائة وكان ذلك تصديقا لقوله صلّى اللّه عليه وسلم ، من أعان ظالما أغري به ، ولقد أحسن ابن ألقم « 1 » في قوله يخاطب جياشا : أخطأت يا جياش في قتل الحسن * فقأت واللّه به عين الزمن ولم يكن منطويا على دخن * مبرأ من الفسوق والدرن كان جزاه حين ولاك اليمن * قتلكه ودفنه بلا كفن ولّاك في السرّ منه والعلن * ملقبا له بالمؤتمن « 2 » وكان جياش قد اتصف بالعدل حين صحب الحسن وعمل بقوله واقتدى بفعله فلما قتله أنكر الناس منه ذلك ونسبوه إلى الظلم وحذروا منه كابن ألقم والوزير خلف وغيرهما وصار ابن ألقم يكاتبه وينقم عليه بما فعله بالحسن ومن ذلك : تفرّ إذا جرّ المكرم رمحه * وتشجع في من ليس يحلي ولا يمري ولم يزل بنو أبي عقامة ينقمون على ابن ألقم في هذا البيت ويقولون قتل صاحبنا أهون علينا من قوله : لا يحلي ولا يمري ، هكذا ذكره عمارة . ومراد ابن ألقم أن الحسن كان غير مستحق للقتل لأن الملوك لا تفتخر إلّا بقتل الأضداد والأنداد ، أما القضاة والفقهاء فغير لائق قتلهم مع الاستحقاق فكيف بعدمه ؟ فمعناه يا جياش أنت عندما تسمع بمجيء المكرم تفزع وتفر ، وإنما تظهر شجاعتك فيمن لا يقاتلك ولا يقاتل سواك ، ولا يضر ولا ينفع فيما أنت بصدده عن قيام الملك ، ثم إن في أيام جياش تعطل الحكم عنهم ولم يكد يقيم جياش غير مدة يسيرة صنّف في أثنائها ( مفيده ) « 3 » وقدح في آل أبي عقامة « 4 » وبالغوا لذلك في إعدامه ، ولم يسمعوا منه بنسخة إلا اشتروها وأعدموها فلذلك قل وجوده « 5 » .
--> ( 1 ) ترجم له عمارة في مفيده ص 240 وقال : هو أبو عبد اللّه الحسين بن علي القمي ، مولده بزبيد وبها تأدب وأورد له أشعارا ومقاطيع كما ترجم له الخزرجي في « طراز أعلام اليمن » وأورد له شعرا كثيرا وترجم له المؤلف قريبا . ( 2 ) كذا في الأصلين ، ولم يكن هذا البيت في عمارة وتأتي ترجمته للمؤلف وفيه زحاف . ( 3 ) أي مفيد جياش . ( 4 ) كذا في « ب » وفي « د » آل بني عقامة . ( 5 ) وهذا دليل ثالث وهو نقد جياش لنسب بني عقامة إلى تغلب .