بهاء الدين الجندي اليمني
247
السلوك في طبقات العلماء والملوك
دعاك ليختبر صدقك فتمنّع فبذل له الفقيه بعض شيء وأجاب بعد مداراة طويلة فأطلقه فغاب عن الفقيه نحو خمسة عشر يوما ثم وصل إلى الفقيه وبه ضعف ظاهر وببدنه مواضع قد صارت كأحراق النار فسأله عن ذلك وحاله فقال : لما دخل المحنش وتلا ما تلا ، وترك الربعة قبالي رأيت البيت كأنه امتلأ نارا وليس لي خلاص غير الوقوع في الربعة ، فألقيت نفسي إليها على كره ، وهذه الإحراق من تلك النار ، ولما أطلقني ورحت أقمت مريضا منذ ذلك إلى الآن لم أكد أخرج ، فقال الفقيه قد كنت نهيتك فلم تمتثل . قال ابن « 1 » سمرة أخبرني الشيخ عيسى بن عامر العودري عن أبيه ، وكان ممن أدرك الشيخ بالصردف ، قال : خرج الشيخ يوما إلى بعض مزارعه ، وأمر الشريك بها أن يجهش له شيئا « 2 » فبينما هو يجمع الحطب إذ قبض عليه حنش عظيم بفقار ظهره ثم اجتذبه إلى سرب في ضاحة « 3 » هنالك والفقيه ينظر وهو يقول : يا فقيه يا فقيه أولادي ، ولم يقدر الفقيه له على فرج ثم إن السرب ضاق عن جثته « 4 » فاقتسمه نصفين ( ومنها ) « 5 » قال ابن سمرة أيضا أخبرني الشيخ محمد بن منصور بن الحسين العمراني بمصنعة سير أن هذا الشيخ إسحاق خرج من سير إلى الصردف فلاقى لصوصا قد سرقوا ثورا وهم سائرون فسار معهم ولم يدر بقضيتهم فأحسوا بالطلب بعدهم فقالوا للفقيه : يسوق لهم واعتلّوا ببعض الأمور فساق لهم وتفرقوا فلحقه سرعان الناس فأخذوا الثور وبطشوا بالفقيه لأنهم جهلوه فلما لحق العقلاء منعوا السفهاء عن التعرض إليه وسألوه الخبر فأخبرهم فعلموا صدقه فأخذوا الثور وتركوه بعد أن اعتذروا عما فعل السفهاء معه ، فيكون مجموع ما حصل عليه من الغرائب خمسا . وكانت وفاته بالقرية التي ينسب إليها على رأس خمسمائة وقبره مشهور هنالك يأتيه قصّاد الزيادة وقد زرته وهو على بعد من الصردف تحت شجرة قرض « 6 » وقد دخلت القرية منذ زمن طويل وهي
--> ( 1 ) في « ب » منها ما حكاه ابن سمرة . ( 2 ) الجهيش بكسر الجيم وقد يفتح الجيم والهاء والياء المثناة من تحت ساكنة ثم شين معجمة والفعل الماضي منه جهش والمضارع يجهش وهو معروف عندنا معاشر اليمنيين في عموم أصقاعه وقد فسرناه في كتابنا ( تاريخ اليمن الاجتماعي ) ص 126 . ( 3 ) وفي ابن سمرة إلى جحر والضاحة في اللغة اليمنية الدارجة على الألسن في عموم اليمن : هي المهواة في الجبل التي لا يستطيع طلوعها والانزلاق منها مهلكة : كالحيد ، والسرب الشق . ( 4 ) في ابن سمرة عن حبة الأمي وفي الأصلين تحريف فصحّحناه كما ترى . ( 5 ) عبارة « د » قال ابن سمرة ( وأخبرني ) فما بين القوسين من « ب » . ( 6 ) هي كذلك كما بلغني وشجرة القرض معروفة وهي فصيلة من الطلح المشوك الذي يسمى في بعض