بهاء الدين الجندي اليمني

222

السلوك في طبقات العلماء والملوك

اليسير ، حتى قال الإمام أبو العباس بن سريج الآتي ذكره : « يخرج مختصر المزني من الدنيا بكرا لم يفتضّ » لأنه كان من أعرف الناس به وكان لا يفارق حمله وإلى ذلك أشار بقوله : صديق فؤادي منذ عشرين حجة * وصيقل ذهني والمفرّج عن همّي وهما بيتان يأتيان في ترجمة ابن سريج . وكان هذا المختصر أول مصنف صنف في مذهب الشافعي ، وكان المزني شديد الورع ، ذكروا أنه أقام دهرا لا يشرب إلا بكوز من نحاس ، وسئل عن سببه فقال : بلغني أنهم يخلطون بالطين سرجينا فلم تطب نفسي بالشرب منه ، لأن النار لا تطهّره « 1 » وكان متى فاتته صلاة الجماعة صلّى منفردا خمسا وعشرين صلاة مستدركا لفضل الجماعة ومستشهدا بقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم بخمس وعشرين درجة » ، ومناقب المزني أجلّ من أن تحصى ، وكانت وفاته بمصر سنة أربع وستين ومائتين ودفن على قرب من تربة الشافعي . وقد انتهى بيان اتصال هذا الفقيه بإمام المذهب ولم يبق إلا العود إلى تتمة الفقهاء . ثم صار العلم إلى طبقة أخرى ، منهم أبو عبد اللّه محمد بن يحيى بن سراقة العامري نسبا ، المعافري بلدا . ارتحل إلى العراق « 2 » وأخذ بها عمن أخذ عن ابن اللبان الفرائض وكان إماما فيها ، وله فيها مصنفات وأدرك الشيخ أبا حامد الأسفرائيني وأخذ عنه وله مصنفات في الفقه ، منها مختصر سماه بما لا يسع المكلف جهله ، وآخر سماه « آداب الشاهد وما يثبت به الحق على الجاحد » وبه تفقّه جماعة من أهل اليمن . منهم أبو الفتوح بن ملامس الآتي ذكره ، ولم يكن يذكر الشيخ أبو إسحاق في طبقاته من متأخري اليمن غيره أعني ابن سراقة . وقد عرض مع ذكره رجلان من الأعيان هما ابن اللبان والشيخ أبو حامد ، فأمّا ابن اللبان فهو أبو الحسن بن اللبان « 3 » قال الشيخ أبو إسحاق في حقه : كان إماما في

--> ( 1 ) السرجين الذبل : الدمال : على اختلاف اللغة . والحق أن النار مطهرة وأنها تستحيل الشيء إلى آخر ، ولكن من الورع ما يمقته اللّه ، ورحم اللّه المزني وغيره من الأعلام . ( 2 ) في طبقات السبكي ج 3 ص 64 أبو الحسين محمد بن عبد اللّه بن الحسين البصري توفي سنة 402 ه . ( 3 ) ترجمته عند الشيرازي ص 103 . والسبكي ج 3 ص 64 ، ووفاته سنة 406 ه .