بهاء الدين الجندي اليمني

194

السلوك في طبقات العلماء والملوك

أين جئتم قالوا : من زبيد قال : بارك اللّه في زبيد ، قالوا وفي رمع قال : بارك اللّه في زبيد ، قالوا : وفي رمع قال : بارك اللّه في زبيد قالها في زبيد ثلاثا وفي رمع مرّة واحدة . فهذه بركة عظيمة في زبيد ، وقد تقدم في خطبة الكتاب ما ذكره الرازي وأنها إحدى البقاع المرحومات والمقدسات في اليمن . ولما استقر أمر ابن زياد وهابه أهل اليمن وأطاعوه بعد حروب جرت بينه وبينهم وكان هو الغالب في جميعها ، دخل بطاعته بنو يعفر أهل صنعاء وحملوا إليه الخراج ، وقد ذكرت ما كان في الجبال حتى قدم حمير « 1 » وأنه لم يتم له أمر « 2 » من جهة المتوكل ،

--> ( 1 ) هو حمير بن الحارث الذي ذكره ابن جرير الصنعاني « حميروة » وتقدم خبره . ( 2 ) هنا نلفت نظر القراء إلى موضوع مهم نحلّي به جيد تعليقنا هذا كيلا تمرّ الفرصة بدون انتهازها ، ألا وهو ما وقع لعمارة الفرضي من الغلط في مفيده ، وتسلسل الغلط أو الخطأ إلى كل المؤرخين الذين أتوا بعده رغم أن بعضهم قد اطلع على تواريخ أقدم من تاريخ صاحبنا عمارة اليمني الفرضي ( المفيد ) في أخبار صنعاء وزبيد كمثل تاريخ ابن جرير الذي يحدثنا عنه صاحبنا الجندي في كثير من المواضع ، ولم يعقبوا على عمارة ولا التفتوا إلى غيره بل صبّوا محور حديثهم عن دولة آل زياد على مفيد عمارة الذي نسج أخبارهم بخيط من الخيال . وينحصر هذا الخطأ والغلط أو ما شئت سميته في أربع نقاط : أولا - أن عمارة ومن نقل عنه يقول : إن محمد بن عبد اللّه بن زياد أو محمد بن عبد اللّه بن فلان بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان والثاني إلى سليمان بن هشام والثالث التغلبي واسمه محمد بن هارون ونسب إلى تغلب أرسلهم المأمون إلى القطر التهامي لسدّ الفتوق هنالك على رأس جيش ضخم بمقتضى رسائل من عامله المجهول باليمن كما يدل صراحة أنهم غير يمنيين . ثانيا - وصول ثلاثتهم إلى القطر التهامي بعد حجهم سنة ثلاث ومائتين من الهجرة أحدهم أمير وهو ابن زياد وابن سليمان بن هشام وزير والتغلبي قاض ومفت . ثالثا - أن آل زياد ملكوا التهائم وامتد نفوذهم إلى نجران وحضرموت وبيجان . رابعا - أن ملوك الجبال والرأس فيهم آل يعفر - دانوا بالطاعة لآل زياد ودفعوا إليهم الأتاوة . وإليك دحض هذه النقاط أو المزاعم أو الخطأ ونقض عراها واحدة واحدة مدعوما بالبراهين والأدلّة ، حفاظا على نسق التاريخ اليمني وللحقيقة التي تعثّر فيها عمارة . الأولى أن مزعوم ثلاثة هؤلاء أرسلهم المأمون مع الجيش الذي جهزه لحرب أخيه محمد الأمين ، فإن هذه الدعوى لا أساس لها من الصحة ولا تمت إلى الحقيقة حتى بأوهى أو أوهن سبب لأن أحداثا كهذه لم يحدثنا عنها أحد من مؤرخي الدولة العباسية ، ولم يذكروا هذا الحدث الجلل بتاتا ولو بجرّة قلم ، وبين أيدينا أقدم ما وصلنا من التواريخ مطبوعا ألا وهو طبقات محمد بن سعد المتوفى سنة ثلاثين ومائتين من الهجرة ، فإنه يحدثنا عن بعض لمحات عن أحداث اليمن كمثل تغلّب يعفر بن عبد الرحمن الحوالي على صنعاء سنة 220 عشرين ومائتين ، في حين لا يذكر هذا الحادث الجلل حدث آل زياد وهم يمرون على بغداد عاصمة الدنيا وعاصمة الرشيد التي ينشر فيها الخبر كسرعة البرق ليستفتحوا تهامة بالجيش الجرار في حين يمرون على مكة المكرمة في موسم الحج ويؤدون الفريضة والعالم الإسلامي فيها ولا يذكر المؤرخون هذا الحدث العظيم وهنا طبقات خليفة الخياط المتوفى سنة 240 أربعين ومائتين ، فبينما يطرفنا بذكر ولاة اليمن وعماله لا يذكر آل زياد بحرف واحد ، وبين أيدينا تاريخ أحمد بن يعقوب المشهور بابن واضح المتوفى سنة سبع وثمانين ومائتين ، وقيل غير ذلك وهو يهتم بقضايا اليمن وأحداثه -