بهاء الدين الجندي اليمني
156
السلوك في طبقات العلماء والملوك
وكان أول من تكلم في الأصول وفتح على الناس بابه ، وكان يكره الخوض في علم الكلام ويقول : رأيي في أصحاب الكلام أن يضربوا بالحديد ويطاف بهم على الجمال في العشائر والبلدان ويصاح عليهم هذا جزاء من ترك كتاب اللّه وسنة نبيّه . وعدل إلى آراء الرجال وقال لابنه أبي عثمان يوما : يا بني واللّه لو علمت أن الماء البارد يثلم من ديني شيئا لما شربت إلا الحارّ ، وقال للربيع : عليك بالزهد فإن الزهد على الزهد « 1 » أحسن من الحلي على الناهد . وقال حرملة « 2 » سمعت الشافعي يقول : رأيت أبا حنيفة في المنام يقول مالي ولك يا شافعي مالي ولك يا شافعي ؟ وكان مع كماله في علم الكتاب ، والسنة والإجماع ، والقياس ، والفقه إماما في علم الأدب وناهيك بأخذ الأصمعي عنه شاهدا ، وله شعر رائق غالبه حكمة ، من ذلك ما أنشدنيه الصدر الرئيس محي الدين يحيى بن عبد اللطيف الرّبعي التكريتي بثغر عدن سنة ثماني عشرة وسبعمائة وقد محنت بحسبة الثغر في هذه السنة لعول وعدم طول ، وما كان كذلك أحسن اللّه العاقبة وله الحمد على ذلك ، قال من الشعر المنسوب إلى الإمام الشافعي : قيمة المرء فضله عند ذي الفضل * وما في يديه عند الرعاع فإذا ما حويت مالا وعلما * كنت عين الزمان بالإجماع وإذا منهما غدوت خليّا * رحت في الناس من أخسّ المتاع ومن ذلك ما أنشدنيه في المعتقد له أيضا يناسب الأبيات المتقدمة : أنا شيعيّ لآل المصطفى * غير أني لا أرى سبّ السلف مذهبي الإجماع في الدين ومن * حفظ الإجماع لا يخشى التلف وأخبرني والدي يوسف بن يعقوب رحمه اللّه قال : قدم علينا بعض الفقهاء المعتبرين وذكره لي غير أن النسيان طرأ . قال : رأى الشافعي من بعض أهل زمانه احتقارا له على رثة ملبسه فأنشده : عليّ ثياب دون قيمتها الفلس * وفيهن نفس دون قيمتها الأنس
--> ( 1 ) في « ب » على الزاهد ولعله أصوب من أجل السجعة في قوله على الناهد . ( 2 ) حرملة هو ابن يحيى بن عبد اللّه أبو عبد اللّه التجيبي الزميلي صاحب الإمام الشافعي ، كان أكثر أصحابه اختلافا إليه ، وكان حافظا للحديث وصنّف المبسوط والمختصر وروى عنه مسلم بن الحجاج فأكثر في صحيحه من ذكره ، ومولده سنة ست وستين ومائة وتوفي ليلة الخميس لتسع بقين من شوال سنة ثلاث وأربعين ومائتين بمصر ، والزميلي نسبة إلى زميل : بطن من تجيب التجيبي نسبة إلى تجيب بطن من كندة .