بهاء الدين الجندي اليمني
111
السلوك في طبقات العلماء والملوك
حققه الحافظ العرشاني رحمه اللّه . والقول الأول أحب إليّ لكراهة أن يكون الجند شهر بها أحد من السلف ، مع أن اليمن أجمع لم يشهر بها ، ذلك منذ أول الإسلام إلى عصرنا سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة ، إذ برّأ اللّه اليمن ونزّهها عن أمر غلب على كثير من بلاد الإسلام وهو الرّدة . لما توفي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ارتدّت العرب إلا ما كان من أهل مكة « 1 » والمدينة وصنعاء والجند وغالب اليمن وارتد قوم من أهل السواد حوالي المدينة « 2 » وهم الذين قاتلهم الصديق وبعض طغام نواحي صنعاء ، وعادوا من غير قتال ولم يذكر عن أحد منهم أنه أحوج إلى قتال ولا كلّف والي مصره شيئا مما كلفه عرب الحجاز « 3 » بل إنه قد ذكر أن قوما من كندة في طرف حضرموت ارتدّوا وتحصّنوا بحصن يقال له النجير « 4 » وكان واليهم لبيد بن زياد البياضي ثم الأنصاري « 5 » من عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فحصل بينه وبينهم شقاق وخرجوا به عن حد طاعته فكتب إلى أبي بكر ينتصره فأمده بجماعة منهم عكرمة بن أبي جهل « 6 » وأبو سفيان بن حرب « 7 » وجماعة غيرهم . وأمّا اليمن فكان بها معاذ بن جبل « 8 » توفي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ولم يحك عنه خلاف بينه وبين أهلها ولا جميع مخاليفها ، ولو كان لظهر كما في غيرها . وأمّا صنعاء فكان بها يعلى بن أميّة ، فحصل بينه وبين عرب السواد « 9 » تنازع ثم عادوا إلى طاعته كما هو مشهور في كتب التاريخ ، وليس هذا موضعه بل أردت تنزيه هذين المخلافين ، صنعاء والجند ، عن الردّة ، واحتياج الولاة فيها إلى حروب
--> ( 1 ) الفضل في عدم ردة أهل مكة يرجع إلى سهيل بن عمرو من مسلمة الفتح انظر « أخبار الردة » . ( 2 ) السواد حوالي المدينة هم من بني سليم وبني فزارة . ( 3 ) لم يرتدّ من عرب الحجاز أحد ، وإنما المرتدّون عرب نجد واليمامة والعروض ، انظر « أخبار الردة » . ( 4 ) النجير بالتصغير لكندة هو اليوم خراب . قال أعشى قيس : يا حبّذا وادي النجير * وحبذا قيس الفعال ( 5 ) انظر ترجمة لبيد في « قرة العيون » ص 19 و « الإصابة » . ( 6 ) عكرمة بن أبي جهل هرب عام الفتح إلى نجران فأعادته زوجته وشفعها فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فأسلم وحسن إسلامه ، كما كان له غناء في حرب الردة ، وقتل يوم اليرموك سنة خمس عشرة . ( 7 ) هذا وهم ، فأبو سفيان بن حرب لم يخرج اليمن بتاتا وإنما خرج الشام تطوعا وأحب أن يرى ولده ثم قدم المدينة سنة إحدى وثلاثين وهو ابن ثمان وثمانين سنة ، فمات بها وقيل مات بالشام وهو من مسلمة الفتح . ( 8 ) في « ب » يوم توفي . ( 9 ) قد بسطنا أخبار الردّة في كتابنا « اليمن حامل لواء الإسلام » .