أبو العباس الغبريني

76

عنوان الدراية فيمن عرف من العلماء في المائة السابعة ببجاية

بعد قراءة الأرجوزة ، وكانت الأبحاث في كل ذلك جارية على القوانين النظرية والاستدلالات الجلية . وكان رحمه اللّه إذا سئل عن المسألة الطبية كثيرا ما يتوقف عن الجواب إلّا بعد نظر ، ورأيت غيره من الأطباء ممن يقصر عن معرفته إذا سئل ساعة ما يسأل يجيب ، وربما اعتقد هذا المسرع في الجواب أو غيره من الأغبياء ان سرعة المسرع هي لمعرفته وان إبطاء المبطئ هو لتقصيره ، وهذا هو اعتقاد الأغبياء في أمثال هذا ، وانما الابطاء في الجواب دليل العلم لأنه بيّن السائل للطبيب الغرض العارض للعليل ، ولا بد ان يقع له النظر في الأسباب وتمييزها والحدس على السبب الفاعل ان تعارضت وينظر انسب الأدوية ، وحينئذ يقع الجواب ، وهكذا هو حال حذاق الأطباء ، وأما عوامهم ومن يعد منهم في أعداد القوابل ، فعند ما يسأل يجيب بغير علم ، ولقد رأيت بعض من كان مبخوتا في الطب يعالج المرضى فتخفى عليه الشكاية فيعالجها بالحار تارة وبالبارد تارة أخرى ، بحيث ينظر فان انجح فيها أحدهما استمر عليه ، ويحرم على الانسان ان يمكن نفسه ممن حاله مثل هذه الحال ويحرم على من هذه صفته ان يطب ، وهذه الصناعة هي أشد الصنائع ضياعا في بلادنا لأنه يتعرضها الغث والسمين ، ولا يقع بينهما التمييز الا عند القليل من الناس . وكان رحمه اللّه متوليا لطب الولاة ببجاية هو وبعض خواص الأطباء بها ، ورحل إلى حاضرة أفريقية باستدعاء أمير المؤمنين المستنصر له بعد ان سمع به وعرف خبره ، فحضر مجلسه وسئل فأجاب ووافق طريق الصواب ، وانتظم في سلك أطبائه ، وكان من جملة جلسائه . وله « رجز » نظم فيه بعض الأدوية واستكمله وهو ببجاية ، وكان رحمه اللّه شرع في نظم الأدوية المفردة من القانون ، وكلفني بنظم بعض الأدوية على سبيل التعاون فنظمت له بعضها وما علمت استكملها بعد أم لا ، وتوفي بتونس حرسها اللّه في عام أربعة وسبعين وستمائة .