أبو العباس الغبريني
54
عنوان الدراية فيمن عرف من العلماء في المائة السابعة ببجاية
وكان مسعود بن سلطان الرياحي « 1 » المعروف بمسعود البلطي ، وفد على أمير المؤمنين من هذه البلاد ، وكانت له عنده مزية ، وكان يحضر معه أكثر الأوقات في الخلوات . قال : فدخلت عليه يوما فوجدته مغتما وقد ظهر التغير في وجهه ، فقلت له يا سيدنا يا أمير المؤمنين ما الذي اهمكم لا أهمكم اللّه ؟ فقال لي ان كاتب سرنا فلانا قد مات ، وقد احتجنا إلى من نقيمه مقامه وما وجدنا ، لأنه يحتاج في كاتب السر أن يكون على صفة كذا وعلى نعت كذا . فقلت له بشراك يا سيدنا يا أمير المؤمنين ، هذا الرجل ببجاية أبو الفضل ابن محشرة ، ووصف له من صفاته ما وقع منه موقع القبول ، فكتب اليه أمير المؤمنين من حينه ، وأمر والي بجاية أن يحتفى به ويحمله خير محمل ، فلم يمكنه بعد وصول الأمر إلا طاعة أمير المؤمنين ولم يمكنه التخلف ، ولما وصل إلى حضرة مراكش ومثل بين يدي الخليفة رأى من حسن سيمته وروائه ووقاره ، ما أغناه عن اختباره ، فأكرم نزله ، ورفع منزلته ومحله ، ولما وقع الاطلاع على ما عنده من فنون العلم علم أن الكتابة التي وقع الاستدعاء بسببها انما هي بعض صفاته ، وإحدى آلاته وأدواته . وكان عادته انه إذا وجه اليه أمير المؤمنين ليأتي محله ، يتأنى ويتربص ، ويأتي على التؤدة والتأني والوقار وإصلاح الهيئة واستكمال الزينة ، ولم يزل ذلك دأبه إلى أن وشى به عند الملك من غصّ منه ، فقال إنه لا يأتي إلا على قعود عن الخليفة ، وقال ما شاء اللّه ان يقول . فوقع في نفس الملك من ذلك شيء ، فاستدعاه وأعجله ، فتأنى وجرى على عادته ، ولما حضر بين يديه عاتبه وقال له : يا فقيه كثيرا ما تبطئ علينا إذا استدعيناك فما هذا منك ؟ فقال له : يا أمير المؤمنين ، أنت إمام المسلمين ، وما أحسب ان محل الإمامة الا كمحلّ الصلاة ، فكما آتي إلى الصلاة آتي إلى هذا المحل ، وقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « إذا أقيمت الصّلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون واتوها تمشون وعليكم السّكينة ، فما
--> ( 1 ) هو مسعود بن سلطان بن زمام ، أبو سرحان ، أمير بني رياح ، كان من الخارجين على بني عبد المؤمن . انظر « عصر المرابطين والموحدين » ج 1 ص 302 وج 2 ص 107 و 156 .