أبو العباس الغبريني
34
عنوان الدراية فيمن عرف من العلماء في المائة السابعة ببجاية
فيه أحسن من كلام أبي حامد وأسلم ، ودل كلامه فيه على احاطته بعلم المعقول والمنقول وعلم الظاهر والباطن ، ومن تأمل كلامه أدرك ذلك بالعلم اليقين ، ولم يفتقر فيه إلى تبيين ، وهو كثير الوجود بين أيدي الناس ، وكثرة وجود الكتاب دليل على اعتناء الناس به وايثارهم له . ولقد رأيت على نسخة من نسخه ما نصه « اعلم وفقك اللّه ان هذا الكتاب حسن في معناه ، مخترع في الترتيب ومبناه ، قلّ فيه ما ينتقد ، وكثر ما يعتقد ، وعليه يعتمد ، سلك مؤلفه فيه مسالك المهتدين ، وترك مهالك الضالين المعتدين ، فهو فيه على صراط مستقيم ، ومقصد قويم ، طرزه بمعاني الكتاب العزيز ، فجاء كالذهب الابريز ، وسلم فيه من غلو الغالين ، وتحريف المبطلين ، وتأويل الجاهلين ، نفعه اللّه به آمين ، وصلّى اللّه على محمد وعلى جميع الملائكة والنبيئين وسلم ، والحمد للّه رب العالمين » انتهى الكلام . قلت وهذا الكلام واضح السبيل ، بارع الغرر والتحجيل ، واعتقادي فيه رضي اللّه عنه أكثر مما ذكر ، واظهر مما ظهر ، وكان من النسك والدين حيث كانت الجن تقرأ عليه . أخبرنا شيخنا أبو محمد عبد الحق « 1 » رحمه اللّه عمن اخبره ، ان الشيخ ابا علي المسيلي كان يأتي إلى الجامع الأعظم في الثلث الأخير من الليل للتهجد وكان بعض من يتجسس عليه فسمع تجويد القرآن عليه ، فقيل إنهم مؤمنوا الجن ، وهذا كثير الاشتهار عنه رحمه اللّه . ولي قضاء بجاية ودخل عليه الموارقة « 2 » وهو قاض والجئوه إلى بيعتهم واكرهوه هو وغيره عليها ، وكانوا يتلثمون ولا يبدون وجوههم فامتنع من البيعة وقال : لا نبايع من لا نعرف هل هو رجل أو امرأة ؛ فكشف له الميورقي عن وجهه . وهذا هو منتهى ما بلغ توقفه وهو أمر كبير عند مطالبته بالبيعة
--> ( 1 ) انظر ترجمته في هذا الكتاب رقم 7 . ( 2 ) سبق التعريف بالموارقة في ترجمة أبى مدين ، فلتراجع هناك .