محمد بن صالح الكناني
61
ذيل معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان
وقال للأمير : أحبّ منك أن تبني لي هاهنا زاوية ، فقال له الأمير : السّمع والطّاعة يا سيدي ، فأخذ الشيخ وحدد له طولها وعرضها وحوقها « 1 » من المكان الذي وقفت فيه الفرس ، فشرع الأمير عند ذلك في اشتراء الأماكن التي أحاط بها الحد ، فكانت أحد عشر دارا ، فاشتراها من أربابها ، وجعلها زاوية ، وبناها وشيّدها وأتقنها غاية الإتقان وقال : لما خرج القائد سعيد بن صندل قائد محلّة الأعراب بمحلة الجريد ، بالمحلة عام واحد وستين وألف ، فطلب من كبير عسكر التّرك أن يعطيه معلومه ، فأبى ووقعت بينهما مشاجرة ، فاغتاض عليه كبير العسكر وضرب رأس القائد المذكور بسكين قطع من رأسه قطعة لم تنفصل منه ، فصاح بأعلى صوته : يا رجال اللّه ، فجاءه رجل في الحين ، ومسك القطعة بيده وردها إلى محلها ، وتفل عليها ، فرجعت كما كانت ، فقال له القائد : يا سيدي سألتك باللّه وبرسوله اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وبالكعبة المشرفة من أنت ؟ ودعى له بحسن الختام فبكى إليه الشيخ وقال له : يا ولدي سألتني باللّه الذي لا يغيب عن قلبي ، وبرسوله الذي لا يغيب عن بصري ، وبالكعبة التي لا أصلّي إلا فيها ، ودعوت لي بحسن الختام ، وهو الموقف الصّعب الهائل فلذا بكيت ، وقد خاف منه فحول العلم والعمل ، فأنا علي الوحيشي بالقيروان ، فلما رجع القائد المذكور من سفره المذكور ، عرج على مدينة القيروان ، فلما وصل سأل عن الشيخ الوحيشي فدلّوه عليه ، وذهب إليه فلما رآه عرفه فتواضع بين يديه ، وتبرّك بالزاوية وقال له : يا سيدي ها أنا قد حبست على زاويتك هذه حبسا وهو حمام وهنشير وغير ذلك من الرباع . قال : وقال : ثم إن الشيخ رحمه اللّه كثرت كراماته ، وشاعت براته في سائر البلاد ، وقصده النّاس من كل مكان ، يتبرّكون به ، واحتاجت الزاوية إلى السماط ، فقام بذلك أخواله أحفاد الشيخ سيدي عطاء اللّه السّلمي وتولوا قبض مدخولها ، وصرف مخروجها فمشا حالها واستقام أمرها ، فلما سمع ذلك عمه الحاج منصور المذكور رحمه اللّه ، فرح وأتاه وقام بشؤون الزاوية ، وبقي معه إلى أن مات الحاج منصور المذكور رحمه اللّه تعالى ، فقام ولده بعد مقامه ، وبذل جهده في شؤونها كما ينبغي .
--> ( 1 ) لعل الصواب : وحوّطها . بناء على الكلمة التي أتت بعدها .