محمد بن صالح الكناني
35
ذيل معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان
المخلوقات ، حتى إذا سمعت صياح الدّيك كأني أحرق بالنار ، فظن إخوتي بي الظنون وكووني في رأسي ، وانقطعت عن الناس ، ثم ذهبت إلى المسجد فوجدت به رجلا فأقمت معه فيه ، ثم خرج منه إلى البريّة ، فلما أخذ نفسي الجوع أحضر لي طعاما فأكلت برغبة فقال : أنت في الأكل مهبول « 1 » ، ثم مشينا إلى المسجد فصلّينا العشاء ، ثم رقدت وقام وهو يصلي فقلت في نفسي : هذا وليّ من أولياء اللّه تعالى ، يصلّي وأنا نائم ، فقمت أصلّي فلم نزل نصلّي حتى طلع الفجر . ومن تلك الليلة ما تركت الصّلاة معه إلى الآن ، فلما صلّينا الصّبح قال لي : قم فإني في هذه الساعة أمروني بالمشي إلى مكة فمضى ، وقال لي : أنا مشيت ولا نلقاك إلا رجلا ، فلما ودّعني ومشى أعطاني خدّاما « 2 » فجعل ذلك الخدام يقول : أنا القطب ، أنا الغوث ، أنا كذا أنا ، كذا وامض إلى المجاهدي يخبرك عني ، فمشيت إلى سيدي محمد المجاهدي فوجدته عند باب داره فقال لي : هو كذلك ، وصار ذلك الخدام يعودني في وضوئي وصلاتي وشأني كله أكاد أن لا آتي بحرف بعد حرف إلا بإذنه فإذا عجلت يقول لي : أخي تأدّب ، وكان رضي اللّه عنه يرى أحوالا ، وأمورا يشكل عليه أمرها قال : فلما كثر علي ذلك قصدت زيارة القيروان فآويت إلى زاوية سيدي عامر الزعبي فكنت أبيت بها ، فصليت ليلة ما كتب وقلت : إلهي وسيدي ومولاي ، إن كانت هذه البواعث التي تأتيني حقّا ، فأبعث لي وليّا من أوليائك في هذه الليلة يثبّتني ، فما لبثت أن دخل علي رجل وقام يصلّي فقربت منه فقال : من هذا ؟ فقلت : أنا يا سيدي فقال : أنت أبو القاسم ؟ فقلت : نعم يا سيدي ، أما إني على هداية ما أعلم عليها أحدا أو على ضلالة ما ضلها أحد غيري . فقال لي : أثبت على حالتك التي أنت عليها ، وصاحبك ما هو يرعى إلا فيك . قال : وقد تقدم أن الشيخ سيدي علي الخياط رضي اللّه عنه يعرض عليه نفسه ويأتيه لبلده ليأخذ عليه ، فلم يفعل حتى قال مرة : لو كان الأمر باختياري لكان ولدي أحق بهذا يأمرني بدخول الخلوة والمكث فيها أربعين يوما ، ويعين لي مكانها فلم أفعل . فبينما أنا ذات يوم تحت الزيتونة إذ أقبل عليّ رجل راكب على ثني « 3 » أشقر من الخيل وقال : أنا صادق الأمة
--> ( 1 ) مهبول : كلمة عامية ، والمراد بها الأحمق فاقد العقل . ( 2 ) خدّاما : أي معينا . ( 3 ) استكمل السنة الثانية ودخل في الثالثة . راجع مادة « ثني » في كتاب لسان العرب 15 / 123 .