عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
80
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )
وكان كثير الاجتهاد في أفعال البرّ كلّها ؛ أنفق مالا كثيرا في جامع القيروان ، بنى القبّة العظمى التي على الباب الشرقي من أبواب البيت ، أقامها على عمد الرخام ، وشقق الرخام ، اشتمل أعلاها وأسفلها على نحو الأربعين عمودا ونيّف إنفاقه عليها [ ما يزيد ] « 1 » على ألف دينار ، وأجرى الجيار على أكثر مجنبات الجامع ، وكان قد تقلع جيارها ، وبنى الميضاة التي في قبلي الجامع الأعظم في غربي الموضع المعروف في القديم بدار الإمارة ، ودعمها تدعيما جيدا ، وسقفها بالمربع المنجور ، وجعل لها أحواضا من الحجر المنجور برسم الوضوء ، وبيوتا للطهارة فيها أحواض من خارجها ، وسعى في تحبيس حانوت عليها برسم تنويرها ، وما تحتاج الميضاة إليه من حبال وأدلية ، وغير ذلك من ضرورياتها ، وجعل فيها ما جلا لخزن الماء العذب . وبنى فصيلا بباب نافع حفظا للبلد ، وملجأ لمن « 2 » يأتي ليلا إلى المدينة من القوافل وغيرها ، وجعل فيه مسجدا مسقفا ، مصونا « 3 » بالغلق . وفي قبلته ميضاة كبيرة لغسل الموتى ، وحبس عليها أيضا حانوتا برسم ما تحتاج إليه الميضاة المذكورة ، واشترى جنانا جديدا « 4 » بمقربة من مقبرة السيوري رحمه اللّه ونفع به ، جعله مدفنا للمسلمين ، وجعل حائطا على جهتها ، وعلى المقبرة المتصلة به ، يزيد ارتفاعه على قدّ ، ولبّس « 5 » بالجير صيانة للقبور عن البهائم وغيرها ؛ وجعل في الجنان المحبس ما جلا لخزن الماء العذب ، وجعل له سطحا ملبسا بالجير لجلب الماء للماجل المذكور . ولما فرغ منه اعتلّ علته التي توفي منها . قلت : ولا منافاة بين كونه متقلّلا من الدنيا ، زاهدا فيها ، راضيا فيها باليسير في مطعمه ، وملبسه ، مع ما بعده لحمل ما فعل « 6 » ، إنما هو من عند اللّه ويده في ذلك عارية [ فنسب ما ذكر له لوقوفه ، فكأنه أنفق ذلك من عنده ] « 7 » . ومحمل قوله : وسعى في تحبيس حانوت على أنه مبني ، لا أنه أنشأ بناءه كما أنشأ بناء غيره ، ولا يقال : إنما كان متقللا في قوته وملبسه كما تقدم اللفظ بذلك ، ولا يلزم من ذلك أنه لا مال له ، لأن قوله : كان شديد المبالغة في كتم الفاقة .
--> ( 1 ) سقط من : ت . ( 2 ) ت : من . ( 3 ) ت وط : مصانا . ( 4 ) سقط من : ت . ( 5 ) ت : ولبّسه . ( 6 ) ت : فعله . ( 7 ) زيادة من : ت .