عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
76
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )
وكتب شيوخنا إلى السلطان بتونس في ابتداء الأمر فأبى أن يقضي [ فيه لهم ] « 1 » حاجة ، وسدّ الباب في وجوههم ، وقال : هذه تونس وفيها الصالحون يعمل هذا فيها . فأتى الشيخ إبراهيم هذا إلى قبالة تلك الدار ، وجلس هناك في الزقاق ، ويقال : إنه كان يعمل الميعاد هناك ، وأكثر الملازمة لذلك ليلا ونهارا ، فكان كل من كان يريد دخولها لشربه ، أو لشرائه من الناس ، يجد الشيخ ومن معه من أصحابه هناك ، فيستحي أن يدخل وهم ينظرون إليه فيرجع ، فتعطل الدخول عنده لما ذكر ، فاشتكى للسلطان ، فقال : وأي شيء نعمل له ؟ كتب لي هو وغيره من الشيوخ في ذلك فلم أسعفهم ، فقضى هو الحاجة لنفسه ، فمشى الرجل ، وسدّ الشيخ باب الدار بيده . وكان الشيخ أبو عبد اللّه محمد بن شبل ينقل عمن حدثه أن الشيخ إبراهيم لم يختص بذلك بل جميع المشايخ « 2 » اتفقت كلمتهم على ذلك كالشيخ أبي عبد اللّه محمد الرباوي ، وأنهم لازموا ذلك المكان ، حتى انصرف الرجل وهو « 3 » لا ينفي ما تقدم ، فهو وإن كان المشايخ « 4 » شاركوه في ذلك ، يكون هو المبتدي لذلك ، والمبالغ فيه ، فكأنه اختص بالملازمة لذلك المكان . قال العواني : ثم إن الشيخ أبا إسحاق هذا بلغه عن بعض أهل القيروان كلام عليه ، فيه طعن ، أداه ذلك إلى الخروج عن البلد ، والهروب منه ، فقلق الناس من ذلك ووجدوا وجدا شديدا ، وتغيّظوا على من جنى هذا وقاله بأنواع من المقال القبيح ، وإن الناس لمعذورون في الأسف على فقد مثله ، فقد انتفع به عالم من الناس ، وتاب خلق كثير على يديه . ثم إن الناس اجتمعوا إليه ، وأقسموا عليه ، وسألوه الجلوس بالبلد ، فأبى فارتحل إلى مدينة تونس مستوطنا بها ، فحلّ من أهلها محلّ أهل الإرادة ، واحتلّ منها بمرقاة التعليم والإفادة ، وجرى له مع السّلطان كلام طويل جميل ، ورغبة في الدّعاء ، فدعا له دعاء حسنا ، ورجال السّلطان يؤمّنون على دعائه ، ثم أمر له بدار جيّدة ، فأنزل فيها ، وأكرم مثواه . وكان الطّاعن الذي طعن عليه ، إنما كان طعنه فيما
--> ( 1 ) ت : بهم فيه . ( 2 ) ت : المشيخة . ( 3 ) ت : وهذا . ( 4 ) ت : المشيخة .