عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

68

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )

اجتمع الأشياخ المذكورون بالشيخ الصالح العالم أبي عبد اللّه محمد القسطاني ، فنظر إليهم ثم قال : أنتم الكل أشياخ مباركون ، وعندكم بركة وزيادة ، والذي عند هذا الشيخ أبي علي سالم من الزيادة ما هو عندكم . فقالوا : يا سيدنا عرفنا ذلك وتحققناه ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ( 4 ) [ الجمعة : 4 ] . ولما سافر الشيخ للحج قال لمن يخدمه : إياكم إذا أنفقتم لم « 1 » تحسبوا شيئا على من تحسبون . والذي يلزمه نفقتهم ثمانية عشر رجلا ، منهم عبد اللّه بن زياد ، وهو الذي [ تقدم على ] « 2 » النفقة ، إذ من عادته أنه « 3 » لا يمسك درهما ولا يدفعه أصلا ، وقال له : أوصيك إن لقيت جائعا فأشبعه « 4 » ، وإن لقيت « 5 » عطشانا فأروه ، وإن رأيت عيانا فاحمله على الجمال ، وكان عنده خمسة وعشرون جملا لرفع الزاد والركوب لمن لا يستطيع أن يمشي . وكان يفطر « 6 » كلّ ليلة عنده الثلاثون والأربعون « 7 » [ رجلا ] « 8 » ويقول له : يا عبد اللّه ! ناشدتك اللّه ، لا تحسب أصلا ، نحيلك على اللّه ، ولا تستكثر في نفسك ما تخرج ، فإنه لا ينقص منه شيء بفضل اللّه عزّ وجل ؛ فكان هذا دأبه حتى وصل مكة . فلما قضى فرضه أمره بصدقة كبيرة وقال له : يا عبد اللّه ، هذا هو إن شاء اللّه موضع الإقبال ، وهنا تتزاحم الرجال . فلمّا وصل المدينة على ساكنها الصلاة والسلام أتاه الحاج أبو عثمان سعيد ولد أخيه الصالح أبي سعيد سلامة ، وكان حجّ معه قال : نريد أن نشتري ناقتين قال : افعل ، فاشتراهما بعشرين دينارا ذهبا كبيرة ، ودفع له ذلك من جيبه . فلمّا وصلنا إلى القيطون « 9 » ، أدخلت يدي في جيبي ، فإذا بالعشرين دينارا ، فلما رآني قال لي : اصمت يا سعيد واكتم عني « 10 » ، فجئت إليه لأعرّفه بيني وبينه ، فقال لي في أذني : [ يا ولدي ] « 11 » يا مسكين ، قلت لك : اسكت ، العشرين دينارا ، التي اشتريت بها الناقتين صبتها في جيبك ، ذلك من فضل اللّه ، وأنا عرّفتكم أنه ما ينقص شيء باللّه إن شاء اللّه ، إن تحدثت بهذا لا عرفتك . فما تحدثت بذلك حتى مات .

--> ( 1 ) ت : أن . ( 2 ) ت : قدم . ( 3 ) ت : إذ . ( 4 ) ت : أشبعه . ( 5 ) ت : وإن رأيت . ( 6 ) ت : يفطر عنده . ( 7 ) ط : أربعون . ( 8 ) سقط من : ت . ( 9 ) القيطون : الخيمة . ( 10 ) سقط من : ت . ( 11 ) زيادة من : ت .