عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

64

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )

وكان ذلك في مجلس خلوته في الزاوية ، فسقطت عصية لطيفة منحنية الطرف من طاقة مرتفعة في الحائط ، فلما رآها الشيخ اصفرّ وجهه « 1 » ، وأمسك عن ضربي ، ثم قال لي : هذه العصية ألقاها بعض الأبدال « 2 » حين ضربتك ووقعت يدي على [ خدك شفقة ] « 3 » منه عليك . وسرّه ذلك في جهتي كثيرا ، ثم أقبل علي يؤنّسني ويرضيني ، وأعطاني ثوبا وعمامة ، وأقبلت « 4 » أقبّل يديه ، وأرغب منه الدعاء ، وقلت : يا سيدي هذه من بركاتك علي ، ونلت منك الدعاء ، وأرجو من اللّه عزّ وجل أن ننال الآخرة ؛ فزاده ذلك سرورا ودعا لي ، ونهاني أن نعرّف [ بذلك أحدا ] « 5 » من الناس . ومنها أنه كان إذا صلّينا صلاة الصّبح يقول : أطفوا القنديل ، ثم يقول لي : يا محمد ، تأدبوا في قراءة الحزب ، واحضروا بقلوبكم ، فإن الأولياء يحضرون معكم ويقرون معكم وأنتم لا ترونهم . فكنا إذا قرأنا وسكت أحد منا ، يسمع القراءة كدويّ النّحل بيننا وبين الشيخ ، ويدورون حلقة على الشيخ ، واللّه أعلم أنهم أقرب منا إليه ، وكان يقول : يحضر معكم سيدي أحمد القطب ، ومسكنه بمكة شرّفها اللّه وزادها تعظيما وتكريما . ولكنه يتفقدنا نفع اللّه به . وكان الشيخ يجلس في البيت الشرقي تارة في صدره ، وتارة عن يمين الداخل ، وتارة عن يسار الداخل . وربما يجلس في أركان الزاوية وفي خلوته التي دفن بها وفي سقيفة الزاوية ، فقلت للحاج عبد اللّه بن زياد في ذلك ، فقال : ما تعرّف أحدا إن أخبرتك ، قلت له : نعم ، قال لي : اللّه شاهد عليك ، قلت : نعم ، وشدّد عليّ في أخذ العهد في كتمان ذلك ، فكتمته حتى توفّي . قال لي : يا عبد اللّه ، كل موضع جلس فيه الشيخ نفع اللّه به وأخذ فيه ورده جلس فيه الخضر - عليه السلام - وذكر اللّه فيه ، أو قال : صلّى فيه ، الشك مني . ومنها : أني كنت جالسا يوما من الأيام عند الشيخ إلا وباب داره يضرب « 6 » فقال : يا محمد قم وانظر ما عندهم ، فقمت فقالوا لي : الحمام سقط في الماجل فجئت لأعلمه . فقال قبل أن أخبره : الحمام سقط في الماجل ؟ قلت : نعم . فقال :

--> ( 1 ) ت : لونه . ( 2 ) ط : أبدال . ( 3 ) ت : وجهك مسفقة . ( 4 ) ت : فأقبلت . ( 5 ) ت : بما جرى لأحد . ( 6 ) ت : ينصرف .