عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

45

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )

ثم أتاني جمع من الفقراء من منزل بني معروف وغيرهم من عمل المهدية فطلبوني أن أمشي معهم إلى منازلهم ، فمشيت معهم فتاب خلق كثير ، فلما أردت الانصراف والرجوع إلى أهلي ، وإذا بصبيان يلعبون خارج بني معروف ، وإذا بشاب يلعب معهم الكورة فلما رأيته لزمت عنان فرسي ، وبقيت مطرقا رأسي ساعة ، والفقراء دائرون بي ولم يعلموا ما خطر ببالي ، فقالوا : فيم « 1 » أنت تنظر ؟ وفيم أنت منفكر « 2 » ؟ فقلت : الشاب الذي يصل إلى كتفيه « 3 » . فما أتممت كلامي إلا والشاب قد أقبل إلينا وقد خنقته العبرة ، وقال : قد جئت تائبا . قال : فقلت له : ما اسمك ؟ فقال : عمّار ! ففرحت به فرحا عظيما . ثم جئت إلى منزل قديد وجاء معي . ثم أخذنا في السفر إلى الشيخ ومعي عمار وجمع وافر ، فلما وصلنا وسلّمنا عليه ، فرح بنا ودعا لنا ، وقال : ما أقصرت ، يا سالم بارك اللّه فيك في إقلاعك في الفارس ، والصيد ، الذي حصل في شبكتك . يشير بذلك إلى عمار المعروفي نفع اللّه به ، وقال : يا عمار ! قد واخيت بينك وبين سالم ، أخدمه يا عمار تنتفع بخدمته ، فإن قسمتك على يديه ولا تخالفه أصلا ؛ وكنّا حينئذ بين يديه نحوا من ثلاثمائة فقير . ولما وصلت إلى قديد أطلقت في يد عمار جميع ما أملكه « 4 » . وكان يوالي عني أسباب الدنيا والتصرف على الفقراء ، وأخذ في الاجتهاد والعبادة ، والحزن والبكاء ، وسرد الصيام ، والإقلال من الكلام ، وكان لا ينام من اللّيل إلّا قليلا ، فظهرت لنا البركات وإدخال المسرّات بسبب ذلك . قال : فبقيت [ بعد ذلك ] « 5 » أتكرّر لزيارة « 6 » الشيخ نفع اللّه به جملة أعوام . فبينما [ نحن ] « 7 » ذات يوم متوجهين إليه في أثناء بعض الطريق ، وإذا برجل على مطية جالس في الهواء « 8 » قال لنا : كان اللّه لكم حافظا وناصرا ومعينا ، فسألناه : من تكون ؟ فقال : أنا أخوكم الخضر ، فلما وصلنا إليه ، وأقمنا عنده سمعنا منه من

--> ( 1 ) ت : ما . ( 2 ) في ط على الهامش كذا . ولعل الصواب : « تفكر » . وفي ت : متفكر . ( 3 ) سقط من : ت . ( 4 ) ت : ما أملك . ( 5 ) سقط من : ت . ( 6 ) ت : إلى زيارة . ( 7 ) سقط من : ت . ( 8 ) في ط : الهوى ، وهو تصحيف لكلمة « الهواء » .