عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
43
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )
جمع من الفقراء الواردين عليه ، وهو مشتغل ببعض خدمتهم ، وعليه لباس غير الذي رأيته فسلّمت عليه ، وهجس في نفسي اللباس الذي رأيته عليه قبل ، فقام وغاب عنا ، ثم عاد « 1 » وعليه اللباس الذي رأيته ببني خيرة ، ثم قال لي : يا سالم ! إن الموضع الذي صليت به من رباط المنستير موضع مبارك ، منه عرفت اللّه عزّ وجل . وقال لي ذات يوم : يا سالم سحت كثيرا ، وجاهدت كثيرا ، وجعت كثيرا ، وما سعت رجلاي إلا برزقك ، ولو خيرت لكانت هذه الطريقة لبعض أولادي ، ولكن لم يقض « 2 » ذلك إلا لك ، فأقمت عنده أياما « 3 » يؤانسني ، ويحدثني بما جرى له في السّياحة ، وما لقي من الأولياء والأبدال ، وكنت آكل معه دون غيري ممن سبقني إليه . ويقول لي : يا سالم أبشر ، ما ينال هذا السّرّ الذي عندي غيرك وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ « 4 » [ الحديد : 29 ] . ثم قال : سر إلى أهلك ، وأخذ بيدي وسار معي خارج القلعة يشيّعني . ولم يفعل ذلك مع أحد غيري ثم قال لي : سر في حفظ اللّه وأوصيك بتقوى اللّه العظيم ، واتّباع كتابه وسنّة نبيه محمد صلّى اللّه عليه وسلم ثم أوصيك بإبرار الوالدة فإن معها سر اللّه عزّ وجل . ثم أخذت في العبادة ، والمجاهدة ، والجوع ، وكنت لا أفطر إلّا على قدر أوقية من الطعام ، فأقمت على ذلك مدة ، ثم مشيت ، فلما وصلت إليه ، وجدته على ربوة خارج القلعة فسلّمت عليه ، فقال لي : مرحبا بك يا سالم إني في انتظارك منذ أربعة أيام ، ولم آكل طعاما ، وأراني الطّعام الذي عادته يفطر عليه فكبيت عليه ، وقبّلت يده ، وعلمت أني لما « 5 » أتحرك لزيارته إلا بخاطره ، وعلمت أنه يحبني . ثم اختلى بي وقال لي : ارفق بنفسك يا ولدي ، فإنّ دين اللّه يسر « إن اللّه يحبّ أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه » « * » . فأقمت عنده أياما فقال لي : يا سالم امش إلى منزلك وافتح زاوية ينتفع الناس [ بها ] « 6 » على يديك ، فقلت له : يا سيدي إني لا أقدر على ذلك ولا أطيقه ، لأن السّاحل عامر بأولياء اللّه تعالى وفيه طوائف ، وهم
--> ( 1 ) ت : عاود . ( 2 ) ت : لم يقض « اللّه » . ( 3 ) ت : يوما . ( 4 ) بدأت الآية في النسختين ب « فإنّ الفضل » والصواب « وأنّ » كما جاء في الآية . ( 5 ) ت : لا . ( * ) عزاه السيوطي في الجامع الصغير إلى أحمد والبيهقي من رواية ابن عباس وابن مسعود ورمز له ب ( ض ) أي ضعيف . ( 6 ) زيادة من : ت .