عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

34

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )

يديه يوما وكنت على غير وضوء ، فقرأت عليه شيئا من الفرائض ، ثم أردت أن أقرأ شيئا من الحديث ، فقال لي : « يكفيك ما قرأت » . فوضعت الكتاب من يدي . فلما انصرف الناس وقام من مجلسه « 1 » إلى داره ، تبعته على جري عادتي ، فلما انتهى إلى الدار ، التفت إليّ وأشار لي بالدخول إلى داره ، فدخلت ، ثم قال لي يا ولدي لم خالفت ولم تجر على عادتك ؟ الحديث لا يقرأ إلّا على طهارة . فقلت له : يا سيدي ضاق الوقت على الوضوء وخفت فوات الميعاد فهذا الذي حملني على ترك الوضوء ، ثم انصرفت عنه وعاهدت اللّه عزّ وجل أن لا أجلس بين يديه إلّا على طهارة . وأخبرني الشيخ الفقيه القاضي الأعدل أبو زيد عبد الرحمن القطان السوسي قال : دخلت عليه يوما أعوده ، فقال لي : يا أبا زيد ، عليك بقراءة كتب الأحكام والإكثار من ذلك ، فإنك ستبلى بالقضاء ، فكان كذلك . ولي ولايات كثيرة ، وكان مسدّدا في أحكامه . وأخبرني جماعة من السوسيين « 2 » أنهم كانوا عنده في داره فقرع عليه « 3 » الباب فأخبر الشيخ أن الفقيه أبا زيد القطان واقف بالباب ، فقال الشيخ : قاضي الجماعة ؟ فقال له المستأذن : لا يا سيدي ، أبو زيد القطان هو ، فقال له : نعم ائذن له قاضي الجماعة هو ، فعجبنا من ذلك ، فأقام أعواما ثم إنه أشخص إلى تونس وقدّم بها قاضيا ، فعلمنا أنّ الشيخ كوشف له عن أمره . وأخبرني بعضهم أن حافظا كان عندهم أساء معاملة الناس وظلمهم ، وأن رجلا أتى إلى الشيخ وشكا له به ، وأنه أخذ له عسلا ، فبعث الشيخ للحافظ وقال له : أعد على هذا المظلوم عسله ، فقابل الرسول بمقابلة سيئة وقال له : أكلته ، ووضع يده على حلقه . فأخبر الرسول الشيخ بذلك ، فغضب واحمرّ وجهه وقال : يقطع حلقه إن شاء اللّه تعالى . فلم تمض إلا أيام يسيرة وضربت عنقه .

--> ( 1 ) في ط : مسجده ، التصويب من : ت . ( 2 ) السوسيين نسبة إلى سوسة بتونس ، وليس سوس المغرب الأقصى . ( 3 ) ت : عليهم .