عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
83
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )
صحبة ، فلما أخبر بموته بكى بكاء شديدا وقال : وا كشفتاه اليوم انكشفت ، ولما خرج للصلاة عليه ازدحم الناس عليه يسألونه الدعاء ويسلّمون عليه حتى كاد أن يموت لكثرة ازدحامهم ، فألزم نفسه أن لا يخرج من داره فلزمها حتى مات . ذكر موته رحمه اللّه قال : توفي يوم السبت للنصف من رمضان سنة تسع وخمسين وثلاثمائة ، وأوصى أن لا يعلم بخبره حتى تخرج جنازته ، فلم يكن يصل إلى القبر إلا بعد المغرب بجهد جهيد ، وسنّه ثمان وثمانون سنة ودفن بباب أبي الربيع . قلت : وإنما أوصى بما ذكر لئلا يبعث له الأمير كفنا وحنوطا وهو لا يريد ذلك رحمه اللّه . 217 - ومنهم أبو مالك سعد بن مالك الدّبّاغ « 1 » الصّوفي رحمه اللّه تعالى : قال : كان من العلماء باللّه ، العارفين به ، ذا أمانة وصدق وتواضع مع فهم دقيق في القرآن ، وإشارة لطيفة في « 2 » الحقيقة ، وكان دينوري المغرب قال أبو عبد الرحمن محمد السّلمي في كتاب تاريخ الصوفية : أبو مالك الدباغ من أهل القيروان ، صحب أبا سعيد الخراز ، وكان أستاذه ولم يكن يطاوقه أحد في علم الحقيقة ، وكان أبو محمد بن التّبّان يجلّه ويبجّله ويتحرّك له إذا أراد الانصراف ، وكان يقول لأبي محمد : ما أتيتك إلا مودّعا ؛ لأني قد بلغت أمنيتي من العمر أربعا وثمانين سنة وزاد عليها بعد ذلك ثلاثا ، وكان الغالب عليه الإجلال ، والتّعظيم للحق « 3 » تعالى ، شاهده الوقار ، والهيبة ، وكان يتكلم على الحقيقة بشرط الاتباع والديانة ، كلام عقل وصيانة . قال أبو سعيد خلف الزويلي : دخلت على أبي مالك الدّبّاغ وهو يجود بنفسه فقال لي قل : وما راعني إلّا الرّحيل وذكره * وقد هتف الحادي سلام عليكم فقلتها وعيناه تذرفان ، ومات آخر نهار ذلك اليوم وذلك سنة إحدى وستين وثلاثمائة ودفن بباب نافع رحمة اللّه عليه .
--> ( 1 ) ترجم له في الرياض : 2 / 322 - 323 . ( 2 ) في ت : إلى . ( 3 ) في ت : للّه .