عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
62
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )
سليمان ، ومحمد بن بسطام ، وسعيد بن إسحاق ، وفرات بن محمد وغيرهم ؛ وسمع منه أهل مصر ، والإسكندرية ، وطرابلس ، والأندلس وإفريقية . قلت : منهم أبو محمد بن أبي زيد ، وأبو الحسن القابسي . قال : كان عالما صالحا ورعا ، ذا سمت وخشية ، غزير الدّمعة ، فاضلا مجانبا لأهل الأهواء « 1 » والبدع ، لا يردّ السّلام عليهم ، مهابا في نفسه ، لا يكاد أحد ينطق في مجلسه بغير الصواب ، امتحن في شبيبته على يد محمد بن عمر المرودي ثلاث سنين ، وأراد قتله فنجاه اللّه منه ، وذلك لصرامته في الحق . روي أن بعض إخوانه اشترى له جارية وأدخلوها عليه ، فلما كان في الليل أخذ في الكتب فكتب الليل كله ولم يلتفت إليها ثم كذلك نحوا من شهر « 2 » فلما طال ذلك عليها قالت له : إن كنت لا تصل إلي ، وليس لك في غرض فبعني فقال : من أنت ؟ قالت : جاريتك فلانة ، فقال لها : أنا ما اشتريت جارية ولكن امض إلى الذين اشتروك يبيعونك ففعلت . قلت : ناقل هذه الحكاية أبو بكر بن عبد الرحمن « 3 » . فذكر أنّ أهله اشتروا له جارية ، وأنهم زينوها [ له ] « 4 » وهذا أخص من إسقاط الشيخ تزيينها ، ومحل تدخيلها عليه ، إنهم وهبوها له ، وعرفوه بذلك واللّه أعلم . قال : وربما كان يصنع له مطر من الحبر من كثرة كتبه ، ولم يتزوج ولم يتسر حتى مات شهيدا بحرق النار ، وذلك أنه كان اصطلى ونعس فالتهب النار في ثيابه حتى احترق جسده كله إلا موضع السجود منه ، وله تآليف في أنواع العلوم واقتنى كتبا كثيرة من جميع العلوم وزنها سبعة قناطير ، كلها بخطه حاشا كتابين . قلت : قال الشيخ أبو الحسن القابسي : فكان لا يحتمل أن يراهما من أجل أنهما ليسا بخط يده . قال : وحبس جميعها فلما توفي أخذ أكثرها السلطان إذ لم يكن له عاصب ، ولم ينتفع الناس منها إلا بما كان وهبه لأبي محمد بن أبي زيد وذلك مقدار الثلث .
--> ( 1 ) في ط : الهواء . والصواب ما أثبتناه من : ت . ( 2 ) في ت : أشهر . ( 3 ) الخبر في الرياض : 2 / 324 . ( 4 ) سقط من : ت .