عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
56
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )
قلت : أصل هذا الكلام عن الشّيخ أبي الحسن القابسي . وفي نقل الشيخ له بتر ؛ قال القابسي : دخلت على أبي عبد اللّه محمد العسّال وابنه أبو حفص في النزع ، وهو جالس وفي يده جزء من القرآن ، وفي المجلس أبو سعيد بن أخي هشام ، وابن التبان ، وابن أبي زيد « 1 » ، والشيخ على حاله يقرأ حزبه بحذا طاق في داره ، ثم يحوّل وجهه إليهم فيقول : كيف رأيتم أبا حفص ؟ فتقول الجماعة بخير إن شاء اللّه ، إلى أن مات فرحموا وسكتوا فحول الشّيخ وجهه وقال : مات أبو حفص « 2 » . قلنا : نعم أصلحك اللّه وجبر مصابك فثنى الجزء ولم يطبقه ثم حول وجهه إليه وهو جالس في مكانه فقال : رحمك اللّه يا بني ، فلقد كنت صوّاما إلى آخر ما تقدم وزاد قبل قوله ، ثم أقبل على قراءته ، خذوا في غسله وشأنه ، وهذا غاية الامتثال في الصّبر لقضاء اللّه تعالى وقدره . وفي صحيح مسلم عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « الصّبر عند الصّدمة الأولى » « 3 » وقال اللّه تعالى : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ( 155 ) الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ( 156 ) أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ( 157 ) [ البقرة : 155 ، 157 ] وقال أبو القاسم بن شبلون لما مات أبو حفص وغسّل وكفّن ، وأبوه أبو عبد اللّه حاضر ، ومن تقدم ذكره وأبو الأزهر بن معتب وغيرهم من أهل العلم ؛ قال قائل لأبيه ما أعظمها من مصيبة قال له : لا تفعل ثواب اللّه خير منه ، ولقيه المهدي فقال : عظّم اللّه المصاب بأبي حفص ، فقال : ثواب اللّه خير منه ، ثم قال أبوه : رحمك اللّه يا أبا حفص ، فلقد كنت مباركا علينا في دنيانا وفي أخرانا ؛ أمّا دنيانا فكان يجري قوتنا على يديك « * » وأما أخرانا فكنت أقول : لعلّي أكون في صحيفتك ، فقد صرت في صحيفتي .
--> ( 1 ) لم يرد تسمية هؤلاء الأعلام في الرياض ، فالوارد : « وكان في المجلس جماعة من الفقهاء » 2 / 412 . ( 2 ) الخبر في الرياض : 2 / 412 . ( 3 ) الحديث أخرجه البخاري في الصحيح ، كتاب الجنائز ( 31 ) باب زيارة القبور حديث ( 1283 ) برواية أنس بن مالك بلفظ أطول ، قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « إنّما الصّبر عند الصّدمة الأولى » . وبنفس لفظ الموضوع ورد في نفس الكتاب ، باب الصبر عند الصدمة الأولى حديث ( 1302 ) ، وأخرجه أيضا في كتاب الأحكام ، باب ما ذكر أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم لم يكن له بوّاب ، حديث ( 7154 ) . - ومسلم في الصحيح ، كتاب الجنائز ( 8 ) باب في الصبر على المصيبة عند الصدمة الأولى حديث 14 - ( 926 ) ص : 439 . ( * ) في ط : يديه . التصويب من : ت .