عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

43

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )

قال : ولما توفي الشيخ أبو سوادة المتعبّد لم يبق بالقيروان أحد إلا شهد جنازته ، وكان إبراهيم القصري جالسا عنده وحوله خلق كثير ، فنظر إلى النّعش ، وازدحام الناس « 1 » عليه فصاح : وأعزهم « 2 » في سواد الليل ، إذا قاموا من مضاجعهم إلى محاربهم وأعزهم إذا انصدع الفجر فرحين ، بما وهب لهم من المناجاة ، وقد أشرق نوره في وجوه القوم يحبّون اللّه وهو يحبّهم ، وأعزّهم إذا أشرقت الشمس وهم صائمون متبتّلون ، وأعزهم « إذا توفّتهم الملائكة طيّبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنّة » « 3 » وأعزّهم إذا ألحدوا ، وصارت تلك اللّحود رياضا ، وأعزّهم إذا انشقّت الأرض عنهم ، قاموا من قبورهم وقالت لهم الملائكة : ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ ( 46 ) [ الحجر : 46 ] . قلت : زاد العواني قلّم نر باكيا أكثر من ذلك اليوم . قال : مات أبو إسحاق في السجن بدار البحر من أجل كلمة حق في دين اللّه قالها وذلك سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة ، وكان ينادي إذا جنّ اللّيل : « اللهم أنزل بقلبي منك فرحا لا ينقضي للّه ومحبة لا تنجلي * إليك أسندت ظهري * وبك تتمّ آمالي ، رفعت خبري إليك * وقصّرت آمالي كلها عليك * ما ذا عاديت فيك * وما ذا أبغضت فيك * وما ذا أحببت فيك ، وما ذا واليت فيك » ثم يندفع للنّياحة . قلت : ذكر عنه أنه كان ينادي ربّه في الليل قبل قوله : مات . فظاهره أنه كان ديدنه قبل أن يسجن . وقال العواني : كان إذا جنّ اللّيل ينادي وهو في السجن : « اللهم » إلى آخره فظاهره إنما سمع منه لما كان مسجونا لا قبل ذلك رحمه اللّه تعالى . 197 - ومنهم أبو ميسرة أحمد بن نزار « 4 » : قال : سمع من أحمد بن أبي سليمان ، وفرات بن محمد ، وسعيد بن إسحاق ، وموسى القطّان القاضي ، وسعيد بن حكمون ، ومحمد بن عبادة ، وأبي الغصن السوسي .

--> ( 1 ) في ت : الأمم . ( 2 ) في ت : أعز . ( 3 ) هذا مقتبس من قوله تعالى : الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 28 ) [ النّحل : 28 ] . ( 4 ) ترجم له في الرياض : 2 / 361 - 367 ، ترتيب المدارك : 3 / 358 - 362 ، شجرة النور الزكية 1 / 126 رقم 203 .