عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

39

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )

في الجامع حتى ارتجّ ، ثمّ خرجوا لقتال بني عبيد وهذا يدلك على كمال عدالته ، وصحّة نقله ، ولولا ذلك ما اتّفقوا بعد الاختلاف على الخروج على من ذكر ، ولم يتخلف من الفقهاء والصّلحاء أحد . قلت : قال أبو بكر المالكي : وقيل لأبي الحسن بن الحلّاف ما الذي أعاق أبا ميسرة عما فعل أصحابه ؟ قال : ذهاب بصره ، ولكنّه قد أخرج ابنه محمد وقال : أدخلني اللّه في شفاعة أسود رمى على هؤلاء القوم صخرا وشهق الشّيخ أبو الحسن بالبكاء . وقيل : لأبي الحسن إن أبا سعيد بن أخي هاشم لم يخرج فقال : قد شهر أبو سعيد السيف وحمله على عاتقه مصلتا ، وهذا غاية في أنه يقول بقول الشيوخ في الخروج عليهم فقال له بعض من حضر : أبو سعيد يذكر أن الجبن منعه من حضور الحرب ، ولما خرج أبو العرب لقتال من ذكر ، سمع النّاس منه كتابي الإمامة لمحمد بن سحنون فكان يقول : واللّه لسماع هذين الكتابين على هنا ، أفضل من كلّ ما كتبت « 1 » . قلت : يريد لكثرة من سمعه من الخلق الذين اجتمعوا إليه في سماع ذلك من علماء وغيرهم ؛ ومن سبق له شيء في الأزل ، لا بد أن يناله ، فكان جدّه أبو الجهم والي إفريقية والذي نال أحسن دنيا وأخرى . قال أبو بكر المالكي وسبب طلب أبي العرب العلم وملازمته له وتركه ما كان عليه آباؤه قال : أتيت يوما وأنا حدث إلى دار محمد بن يحيى بن السلام ، فرأيت عند الطّلبة ورأيت أمرا أعجبني وركنت إليه نفسي فعاودت الموضع ، وكنت آتي إليه والطّرطور على رأسي ، ونعلي أحمر في رجلي في زي أبناء السّلاطين ، وكان الطلبة ينقبضون منّي من أجل ذلك الزّيّ ، فقال لي رجل يوما بجواري : لا تتزيّ بهذا الزّيّ ، فليس هو زيّ طلبة العلم ، وأهله وزهدني فرجعت إلى أمّي فقلت نلبس الرداء وثيابا تشاكل لباس [ أهل ] « 2 » العلم والتجار ، فأبت عليّ وقالت : إنما تكون مثل آبائك وأعمامك ، فاحتلت حتى اشتريت ثيابا وجعلتها عند صبّاغ في باب أبي الربيع ، فكنت إذا أتيت من القصر القديم أتيت بذلك الزّيّ الذي تحبّ أمّي ووالدي ، فإذا وصلت إلى باب أبي الرّبيع ودخلت حانوت الصّبّاغ خلعتها ولبست الثّياب الأخر ، فكنت كلما تردّدت فعلت ذلك ، ثم

--> ( 1 ) الرياض بصيغة مختلفة بعض الشيء 2 / 310 . ( 2 ) سقط من : ت .