عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
217
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )
وقال أبو علي القوري : زرت الشيخ أبا يوسف مرة مع أصحاب لي فقال الشيخ : فصّلوا ثوبا لبعض أصحابه ، فقلنا له : ما فينا من يفصل ولا يخيط ، فقال يفصله عبد الكريم ويخيطه ، ففصله في الوقت وخاطه ما تقدمت له بذلك عادة قط ، وقال أبو محمد عبد الكريم هذا : سافرنا مع الشيخ مرّة فاجتزنا بقصر الكنائس فصنعوا للفقراء طعاما كثيرا فأكلوا وكنت لا أتناول بالنهار ، ثم سرنا وكنت في آخر الرفقة فلحقني رجل من أهل الموضع ومعه إناء فيه شهد ، وقال لي : سألتك باللّه إلا ما حملته حتى تفطر منه ، فأخذته منه وجعلته تحت ثيابي وسرت ، وكان الشيخ أمامنا عن بعد ، وكان من شأنه إذا مشى في الطريق يسرع ولا يلتفت ، فوقف كشفا منه وقال : أين عبد الكريم ؟ فنوديت وتقدمت إليه ، فقال : ما هذا ؟ لا إله إلا اللّه ترفع شيئا تحدثك نفسك ، إنك تفطر عليه بالليل ؟ ومن لك أنك تعيس ؟ أخرج الذي تحتك ، فلما وصلنا إلى المسجد المعروف بمسجد ابن غانم فتح اللّه بشهد كثير ، فعمل في حفنة كبيرة ودعاني فأخذ برأسي وقال : تريد أن أغطس الساعة رأسك فيه ! أردت أن تخبي إلى الليل والخلف من اللّه موجود ؟ وقال الشيخ أبو يوسف منكرا على أناس ما يعرفني منهم أحد ، إنما كان يعرفني أخي أبو علي النفطي رحمة اللّه عليه الذي أتى عندي مرّة فأردت إقامته وأراد السفر ، فكان بنفسه يخرج خارج البلد يطلب الرفقة فلم يجد ، فمكث قرب خمسة عشر يوما ، فلما لم يجد تفطّن وقال لي : سألتك باللّه اتركني أمشي ، فقلت له : وعولت ؟ قال : نعم فقلت له : أصلح حوائجك وأخرج خارج البلد تجد الرّفقة الساعة تأتي تمشي معها ، فخرجنا في الوقت فإذا بعسكر مقبل إلى جهة سفره ، فمشى مع العلامات والخيل آمنا مطمئنا ، فكان بينهما محبة واحتراما وتراسلا واتحادا كبيرا ، وقال الشيخ : كنت أتمنى أن يجمعني اللّه عزّ وجلّ معه مدّة في موضع فقدر أن مكثنا في خباء قرب أربعة أشهر في سنة فتح مدينة تونس حتى فتحت فدخلنا وكنا في تلك المدة نسأل اللّه عزّ وجلّ في حقن دماء المسلمين ، فلطف اللّه بالحال وكان كذلك ، فلما أراد الانصراف قال لي : رأيت فيك أربع خصال من خصال أهل الجنة : ما رأيتك في هذه المدة تمتخط ، ولا تتثاءب ، ولا تتمطى ، ولا تحتلم ، فقلت له : الحمد للّه الذي أظهر لك نعما كنت غافلا عن الشكر عليها ، وقالت أم عمر زوج الشيخ أبي يوسف : لما أتى إليه الشيخ أبو علي النفطي أدخله