عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
209
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )
لقيت الذي اشتريت منه الزيت فقال : لا تتصرف في ذلك الزيت ، فقد ظهر لي أنه حرام ! ومناقبه كثيرة . توفي رحمه اللّه قبل الثمانين وخمسمائة ودفن بإزاء البهلول بن راشد بوصيته بذلك ، وقبره معلوم رحمة اللّه عليه . 325 - ومنهم أبو سعيد خلف بن عوض بن عبد اللّه المعروف بابن أبي شيخ الزاهد : قال : كان رحمه اللّه من أكابر الفقراء المجردين ، وأفاضل الزاهدين ، نزيه النفس ، حسن الخلق ، كثير البشاشة ، بعيدا من الرّياء والتصنع ، زاهدا في الجاه ، كثير التواضع لا يكاد من تواضعه ، يتميز عن غيره ، وبلغ من زهده أنه كان لا يدّخر شيئا لغد ، وإذا بات بلا عشاء ولا مصباح ، يشتد فرحه ويكثر انبساطه ، وكان شديد المبالغة في كتم الفاقة ، وإن فتح له بشيء يصرفه للفقراء ، وكان واحدا منهم ، وربما أخذ منه القوت ، وأعطى الباقي ، قال لي الحاج أبو سعيد خلف الضراب : دخلت المغرب وديار مصر ، والشام ، والحجاز ، والعراق ، ولقيت مشايخ هذه البلاد فما رأيت أزهد في الدنيا والرئاسة من أبي سعيد ابن أبي شيخ . وحكى : أبو زيد عبد الرحمن بن ثابت الصقلي قال : كان الشيخ أبو سعيد جارا لنا ، وكنا نودّ أن ندخل عليه سرورا ورفقا ، وكانت بالقيروان مجاعة شديدة ونحن في غاية السّعة ، بحيث يحتاج إلينا جل أهل القيروان ، وأبو سعيد في غاية الفاقة والضرورة ، فما اطلعنا قط على حاله ، بل كان يظهر لنا الكفاية لما يظهر عليه من البشر والسرور بحاله ، وكان يعيش من المباحات كالبقول ، وبزورها ويؤثر منها على المساكين ، وما أظنه وجبت عليه زكاة الفطر قط ، ولم يزل على فاقته حتى مات رحمة اللّه عليه ، صحب الشيخ أبا زكرياء يحيى بن عوانة وأبا الحجاج يوسف بن حسون وانتفع بصحبتهما ، وحجّ على التوكل والتجريد ، وله كرامات كثيرة واطلاعات منها ما حكى لي أن رجلا من أهل القيروان يقال له : يخلف بن ثابت ، اشترى زيتا من قفصة وجّهه إلى القيروان ، فلما كان في الطريق عرض للقافلة خوف شديد من العرب ، فنذر هذا الرجل في نفسه : إن سلمه اللّه أن يعطي للشيخ أبي سعيد قفيزا زيتا من زق ، وكان أبلق فيه زيت طيب ، فذهب عنهم الخوف ، فلما وصل إلى داره أخذ قفيزا زيتا من غير ذلك الزق وحمله إلى الشيخ فلما رآه قال له : أليس قد نويت أن يكون هذا الزّيت من الزق الأبلق ؟ فلم لم توف بنذرك ؟