عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
202
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )
باستجلاب عبد الحميد إلى المهدية ليقوم بفتواها إذ لا يرى استيفاء أحد من فقهائها لأمور فجلب له ، ولزم المهدية ودارت عليه فتاويها ، فلما شقت سوسة على تميم ، قبض جماعة فيهم عبد الحميد ، فضربه وغرمه خمسمائة « 1 » دينار ، فباع فيها عبد الحميد كتبه ، وكان سبب انقباض عبد الحميد عن الفتيا ، فلقيه بعد ذلك تميم واعتذر إليه ، فلم ينفعه ولزم الانقباض ، والتزم داره ولم يفت « 2 » في شيء ، وجعل لا يجالس أحدا ، وتحيّل في الخروج إلى سوسة لعلّة المداواة « 3 » لحسن هوائها ، فبقي على حالته تلك ستة أعوام ، إلى أن دخل الإفرنج إلى المهدية ، واستباحوا أهلها . ودخلوا جلّ قصورها « 4 » فانكسر بعد ذلك تميم ودائرته ، وهان على الناس ، فظهر عبد الحميد ورجع إلى حالته الأولى ، وأفتى ودرس وانتفع به إلى أن مات رحمه اللّه . 319 - ومنهم أبو حفص عمر القمودي « 5 » : قيروانيّ الأصل ، نزيل صفاقس « 6 » ، وكان فقيها ، أديبا ، مفتيا ، من حفّاظ المدوّنة والقائمين عليها ، ومن حفّاظ الشّعر ، أخذ عن أبي بكر بن عبد الرحمن ، وأبي عمران الفاسي ، وصحب أبا القاسم السيوري . ذكر بعض أصحابه قال : لما ودّعني الفقيه أبو حفص عمر القمودي أنشدني « 7 » : هيّجوا للبين برقا فلمع * وأثاروا دمع عيني فاندفع ودعوا قلبي فلما جاءهم * أوقفوه بين يأس وطمع
--> ( 1 ) في ترتيب المدارك : « ستمائة » دينار 4 / 795 . ( 2 ) في ترتيب المدارك : « ولم ينتفع » . ( 3 ) في ترتيب المدارك : « المعاناة » 4 / 795 . ( 4 ) قال عياض : « وذلك سنة ثمانين » 4 / 795 . ( 5 ) ترجم له في : ترتيب المدارك : 4 / 798 . ( 6 ) صفاقس : مدينة عتيقة بناها الأفارقة على ساحل البحر المتوسط أيام كانوا يحاربون الرومان ، فهي مدينة تونسية كبيرة . انظر عنها : رحلة التيجاني ص : 68 - 84 ، وصف إفريقيا ص : 87 . ( 7 ) الترجمة نفسها منقولة حرفيا من ترتيب المدارك : 4 / 798 .