عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

198

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )

العنهم لعنا وبيلا ، واخزهم خزيا عريضا طويلا ، اللهم وإن مولانا وسيدنا أبا تمام المعزّ بن باديس بن المنصور القائم بدينك ، والناصر لسنّة نبيّك ، والرافع للواء أوليائك يقول مصدقا لكتابك وتابعا لأمرك ، مباينا لمن غيّر الدّين ، وسلك غير سبيل المرشدين المؤمنين : يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ( 1 ) لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ( 2 ) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ ( 3 ) وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ ( 4 ) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ ( 5 ) [ الكافرون : 1 - 5 ] ، ( هكذا بإسقاط قل من أول السورة وترك لكم دينكم ولي دين لتعلق الأمر بالمراد ) ، وأمر السلطان خطيب جامع القيروان ، أن يفعل مثل ذلك على المنبر في الجمع في كل خطبة ، وهذا دليل على فصاحته ومباينته لأهل البدع ومحبته لأهل السّنّة ، وجرت عليه محنة أعقبها التأخير عن قضائهم ، والزهد في جوارهم ، وذلك بسبب أبيات صنعها ابن رشيق : يا سالكا بين الأسنّة والضبا * إني أشم عليك رائحة الدّم يا ليت شعري من رقاك بعوده * حتى رقيت إلى مكان الأرقم منها هذان البيتان صنعهما معرضا بالقاضي محمد بن جعفر ، فنمت إلى السلطان فكانت سبب محنته ، فلما صودر بالمكروه فرّ من مدينة القيروان ، فما سمع له خبر إلا من مصر ، وقرئ سجل القاضي علي بن أحمد البوني بجامع القيروان بولايته جميع ما كان يتولاه محمد بن جعفر من قضاء مدينة صبرة ، وزال القضاء عن بني الكوفي ، وكانت لهم في ولايته نيف وسبعون سنة ، والذي تولّى القضاء منهم أربعة : أولهم محمد بن إسحاق التميمي ، ثم ولده عبد اللّه بن محمد ، ثم ولده جعفر بن عبد اللّه بن محمد ، ثم ولده محمد بن جعفر هذا المعزول ، وكانوا من أهل الرّواية والدّراية ، والديانة وحسن السيرة في القضاء رحمهم اللّه ، ولم يزل محمد بن جعفر هذا بمصر بعد انصرافه من القيروان ، متعرّفا مزيد الحظوة وسمو الرتبة ، وولي القضاء بها ولقب قاضي القضاة ، ثم تخلّى عن القضاء وارتحل عن مصر فلم يستقر له قرار إلا بأقصى الشام ، فيقال إنه توفي هناك بعد السبعين وأربعمائة رحمة اللّه عليه .