عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
193
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )
قلت : وسبب خراب القيروان إجابة دعاء الشيخ الواعظ عبد الصمد فانهزم سلطان القيروان مع كثرة عساكره وقلة من جاءه ، وذلك أنه كان لعبد الصمد هذا ولد اسمه محمد ، ويكنّى بأبي الحسن ، ورد على القيروان وكان رجلا صالحا ، فاضلا ، واعظا ، زاهدا ، صوفيّا ، عالما ، عاملا ، وكان له مجلس بالجامع الأعظم بالقيروان يجتمع إليه فيه ويسمع كلامه ، وله لسان فصيح ، وقلب قريح كثير الحزن والبكاء والخوف ، من أولياء اللّه عزّ وجلّ ، المنقطعين إليه ، الخائفين الخاشعين المتبتلين القائمين الصائمين ، قد ركب طريقة من الزهد والورع والخشية وصدق المقال في الوعظ لم يسلكها في وقته غيره ، فطبق ذكره الآفاق وكثر ازدحام الناس إليه في مجلسه لاستماع وعظه ، ومالت إليه القلوب والأسماع ، وكثرت له الأتباع ، حتى حذره السلطان ، وخاف على نفسه منه ، فاستعار السلطان منه بعض كتبه وأظهر أنه أحبّ مطالعة شيء منها ، فأرسل إليه بما أحب منها ، فأقامت عنده أياما ثم أمر بردها ، فتصفح الواعظ أوراقا منها فوجد بينها بطاقة « 1 » بخط السلطان كأنها نسيها بين أوراق كتابه ، فإذا فيها زعمت ملوك الفرس ، وحكماء السّير والسياسة ، أن أهل التنمس والوعظ ، وتأليف العامة ، وإقامة المجالس ، أضر الأصناف على الملوك وأقبحهم أثرا في الدول ، فيجب أن يتدارك أمرهم ويبادر إلى حسم الأذى منهم ، فلما قرأ الواعظ أبو الحسن محمد بن عبد الصمد البطاقة ، علم أنه أمر استعمل له وقصد به ونبّه على الرأي فيه . فاستعمل الحج ، فخرج وخرج معه عامة وخاصة من أهل القيروان ، وأمر له السلطان بزاد فخرج متوجها إلى الحج في يوم الأربعاء الثاني والعشرين من شهر اللّه رجب الفرد الحرام سنة إحدى وأربعين وأربعمائة ، ومعه رجال وكلوا به أن يصلوا معه إلى مدينة قابس ، ونهى أن يشيّعه أحد ، أو يخاطبه الخطاب ، وكانت الرفقة الخارجة إلى مصر قد قرب خروجها فأمر أن ينتظرها بمدينة قابس إلى أن يصحبها ، وكوتب عامل قابس بأن لا يدخل إليه أحد هناك ، ولا يجتمع عنده اثنان ، ولا يخرج من المكان الذي ينزله فيه إلا يوم سفره ، فخرج وهو غير آمن على نفسه ، وأظهر السلطان ما كان يخفيه من أمره ، وصار من ذكره بخير ، أو قال فيه جميلا مشخوصا « 2 » مذموما حتى صار كل من كان يفرط في مدحه
--> ( 1 ) في ط وت : سجادة ، والصواب ما أثبتناه تصحيحا على الكلمة التي أتت بعدها . ( 2 ) مشخوصا : متجهّما ، ومقلقا .