عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
182
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )
جميع فقهاء إفريقية بالقيروان وغيرها ، واحتجوا عليه بأن جماعة من أهل الزّهد ، والعلم ، والعبادة بالقيروان ، كانوا أشد الناس مباينة بالعداوة والتكفير لبني عبيد وأتباعهم . منهم أبو إسحاق السبائي ، ومروان العابد ، وربيع القطان وأضرابهم ، وأرسلوا إليه أن يعاود النّظر ، وأن يرجع عن هذا القول فأبى عن ذلك ، وانتهت القضية إلى المعز بن باديس فجمع بعض الجمع عنده في المقصورة وناظروه ، فأظهر الإنابة إلى قولهم والرجوع ، ثم خلا بأصحابه فأنكروا عليه رجوعه إلى قولهم ، وأنه الحق الذي لا يجب سواه ، وكان رأي الفقهاء سد هذا الباب للعامّة على هؤلاء الكفرة بني عبيد الزنادقة ، وإنّ الدّاخل في دعوتهم - وإن لم يقل بقولهم كافر ، لتوليه الكفر ، فأظهر أبو إسحاق التّمادي على قوله وإنكار الرجوع عنه ، فأطلق الفقهاء الفتيا على مقاله هذا بالتضليل والتّبديع ، وقال فيها الشعراء قصائد كثيرة تضمّنت أبا إسحاق والتبري منه ؛ وأنشدها الشعراء والطلبة عند الفقهاء في دورهم ، وأمر السلطان بسجل في القضية من التبري من قوله ، وقيل فيه ما يعظم به أجره ، وأمر بقراءته يوم الجمعة على المنبر قبل الصلاة مستهل صفر عام ثمانية وثلاثين وأربعمائة ثم أمر السلطان بإحضاره بالمقصورة في ذلك اليوم إثر الصلاة ، وأحضر معه الفقهاء أبا القاسم اللبيدي فقيه مشيخة الفقهاء وكبيرهم ، والفقيه أبا الحسن ، والقاضي أبا بكر بن أبي محمد بن أبي زيد خاصة من بين سائر الفقهاء ، وكان هذان الفقيهان من أشد الناس ميلا إلى مذهب الجماعة ، - وحكم في المسألة اللّبيدي ، فحكم بأن يقر بالتوبة على المنبر بمشهد جميع الناس وأن يقول : كنت ضالّا فيما رأيته ورجعت عن ذلك إلى مذهب الجماعة ، فاستعظم الأمر على المنبر وقال : ها أنا أقول هذا بينكم ، فساعدوه وقنعوا منه بقول ذلك بمحضر السلطان والجماعة ، وأن يقوله بمجلسه ويشيعه عنه ، فاقترفوا « 1 » على ذلك ، وحصلت على الشيخ منه غضاضة فخرج في صبيحة يومه متوجها إلى منستير الرّباط ، وهو المراد بقول من قال : خرج إلى قصر الرّباط ، ولا يحمل على ظاهره ، وهو أنه خرج إلى قصر الرّباط الكائن بسوسة ، إذ هو معدّ للعبادة كقصر المنستير ، لأنه يكون خلافا ، وعلى ما حملناه عليه يكون وفاقا ، وكان ذلك في يوم السبت الثاني من صفر من السنة المذكورة ، وإنما خرج من الفور مسكتا للقضية ومنسيا لها فتغيّب بشخصه ثم عاد إلى القيروان .
--> ( 1 ) فاقترفوا : أي عيّبوا على ذلك . وفي المدارك : فافترقوا ( طبعة بيروت ) .