عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

170

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )

رأيت أبا بكر بن عبد الرحمن أخطأ في مسألة واحدة من المدوّنة . وقال أبو بكر : « لو عدمت المدونة لكتبتها من صدري » . قلت : وكذلك قال في كتاب ابن الموّاز حسبما تقف عليه . وقال بعضهم : ما زال الذكر ورئاسة الدين في وقته مع صاحبه أبي عمران الفاسي في المغرب ، حتى لم يكن لأحد معهما اسم يعرف . ذكر عبادته وصدقته وإجابة دعائه وقلة هيبته للسلطان قال : كان يمشي للمنستير كل سنة في رمضان ، فكان طول رمضان لا ينام الليل ، وكان يصوم الدّهر فلا يفطر إلا الأيام المحرّمة الصوم ، وكان كثير الصدقة ، لا يخلو ميعاده من صدقة أبدا ، وروي أنّ رجلا تكلم في عرض الشيخ أبي بكر ، فقال : « اللهم أره في فمه العبرة » فأصاب الرجل انفالج فنعوّج منه فمه ، ودعا على جعفر بن الكوفي فقال : « اللهم لا تمهله » ، فمات تلك الليلة . ودعا على رجل ظالم كان يغضب النّاس فأصابه إسفجون فمات من الغد . قلت : وحكى الشيخ الفقيه الإمام أبو بكر محمد بن الوليد الطّرطوشي « 1 » في كتابه المسمّى « بسراج الملوك » قال : أخبرني شيخ قديم كان يصحب العلماء بالقيروان يقال له جرير ، قال : أخبرني عبد الكافي الدّيباجي ، قال : رأيت بالقيروان آية عظيمة ، وذلك أنّ رجلا جاء بصبيّ قد أسكت ولم يتكلم ، فدخل به إلى الفقيه أبي بكر بن عبد الرحمن وأخبره أنه لا يتكلم منذ أيام ، وسأله أن يدعو اللّه أن يفرج ما به ، قال : فدعا له ساعة ، ثم مسح على وجهه فاستفاق فقال له قل : « لا إله إلا اللّه » . فقال الصبي : « أشهد أن لا إله إلا اللّه وأشهد أن محمدا رسول اللّه » . ثم التفت إلى أبيه وقال له : أكتمها حتى أموت ، فلما كان عند وفاة الشيخ أبي بكر بن عبد الرحمن واحتفل الناس بجنازته قام الرجل وساق لهم القصة كما ذكرنا . قال : روي أنّه قال يوما للمعزّ بن باديس - وقد أراد أن يبعثه رسولا إلى صقلية - : واللّه إن أقلامنا لأمضى عند اللّه من رماحك ! ودسّ إليه المعزّ يوما من

--> ( 1 ) نسبة لطرطوشة ، مدينة أندلسية على ساحل البحر . للمزيد انظر الروض المعطار ص : 391 . وأبو بكر الطرطوشي توفي سنة 520 ه . ترجم له في الصلة لابن بشكوال ص : 449 - 450 ، والديباج المذهب ص : 371 - 373 .