عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
149
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )
يقول : أقمت ستة أشهر لم أشرب ماء قلت : ولم ذلك ؟ قال : رضت نفسي فساعدتني ، قال أبو القاسم وحدثني أبو مالك عن التاهرتي قال : شهدت محمد بن أبي حميد وقد احتضر ، فذكروا عنده الموت فقال : وما الموت ؟ ادخل يا ملك الموت ! فنظروا فإذا به قد توفي رحمه اللّه . وكان أبو محمد بن أبي زيد ، كثيرا ما ينكر عليه كرامات الأولياء « * » لمعنى قلب الأعيان ، وذلك قصور منه رحمه اللّه عن إدراك ما وهب اللّه أولياءه من الكرامات ، وما أفاض على قلوبهم من الأنوار والبركات ، فلذلك كان يشير الشيخ أبو القاسم في كتبه إلى قصور الفقهاء الذين ينكرون القدرة وما وهب الحقّ لأوليائه ، بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه . قلت : سبب إنكاره الكرامات وذلك عند أكثر المريدين في عصره من ادّعائهم رؤية « 1 » اللّه سبحانه في اليقظة . قال ابن بزيزة : فألف كتابا يقتضي إنكار الكرامات وإنكار الرؤية ، وسمعت الشيوخ يحكمون أن علماء زمانه أنكروا ذلك عليه ، وأرسلوا الجواب من القيروان إلى بغداد ، فوصلوا إليها على الصّحراء بعد أربعين يوما فاجتمعوا بالقاضي أبي بكر ابن الطيب ودفعوا له السؤال فأجابهم بجواز ذلك ، وألّف كتابا في ذكر جواز الكرامات ، وفيه فضل الشيخ أبي محمد بن أبي زيد ومعرفته بعلم الفقه ذكر هذا في تفسير قوله عزّ وجل : أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 62 ) [ يونس : 62 ] . قال : ولم أقف له على تاريخ وفاته إلا أنه مات قبل أبي محمد بن أبي زيد رحمه اللّه تعالى .
--> ( * ) عن مسألة الأولياء وكراماتهم انظر كتاب : الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان لابن تيمية ، وكتاب قطر الولي على حديث الولي للشوكاني ، والقول الجلي في حديث الولي مجموعة رسائل للسيوطي . ( 1 ) مسألة رؤية اللّه في الدنيا يقظة قال بها غلاة المتصوفة ، ولم يقل بها أحد من الرعيل الأول من السلف الصالح رضوان اللّه عليهم مقتدين بذلك بما جاء في قوله تعالى على لسان موسى : وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ( 143 ) [ الأعراف : 143 ] وستكون الرؤية يوم القيامة كما ورد في الصحيحين . انظر صحيح البخاري ، كتاب الآذان باب فضل السجود ، حديث ( 806 ) ، وكتاب الرقاق ، باب الصراط جسر جهنم ، حديث ( 6573 ) وكتاب التوحيد ، باب وكان عرشه على الماء [ هود 7 ] حديث ( 7437 ) ، ومسلم في الصحيح في كتاب الإيمان ( 81 ) باب معرفة طريق الرؤية حديث 299 - ( 182 ) .