عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
14
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )
قال يونس : فأصبت فيها قدر ثمنين من دقيق ، فكان قوته في ستين ليلة ثمنين من دقيق « 1 » . وقال بعضهم : حملت إلى أبي الفضل هدية عسلا وسمنا وكعكا وقلت : هذه هدية منّي لك ، فقال : أسأل اللّه العظيم أن يعظم ثوابك ، اليوم لي ثلاثون سنة ما أكلت من هذه الطرف شيئا ، أنا وظيفتي من الشهر إلى الشهر بقيراط شعير وإنما ينعم الناس ويأكلون غدا ، فرّقها على الضّعفاء ، ففعلت وأخرجت له خريطة بدراهم فقلت له : فرّق هذه على من يستحقها ؟ فقال : لا أفعل ، إنما أفرّق مالي ، وأما مالك فأنت تسأل عنه . وروى أنه كان اشتهى تينا أخضر ، فأمر من يشتريه له ، فلما رأى الذي اشتراه له من بعيد قال : اذهب عني فرأى الرجل ذلك وذهب إلى بائعه فسأله عنه ، فإذا به من أرض مغصوبة ليتامى ، فرجع لأبي الفضل ، وقال : رددت تيني فقال : واللّه ما تخيل لي إلا أنّك اشتريت لي خنزيرا « 2 » . وقال بعضهم « 3 » : كانت لي ابنة ابيضّت عيناها من الجدري فغمّني ذلك فجئت إلى أبي الفضل فوجدته معدولا عن الطريق ورأسه بين ركبتيه ، فسلّمت عليه وأخبرته بقضيتي فقال لي : إذا كان غدا هذا الوقت فأتني بها . فمضيت عنه فسمعته يقول : أخطأنا الطريق ، ثم صاح بي وقال : لا تحرّكها ولا تأتيني أتاها اللّه بالفرج من حيث لا تدري ، ولا تشعر ، ثم أتيت إلى الدار ، فوجدتها نائمة فأيقضتها ففتحت عيناها فإذا هما أجمل ممّا كانتا ، ليس بهما شيء « 4 » ، وقيل له : فلان يتكلم فيك فقال : إنما مثلي ومثله مثل رجل حمل لضرب عنقه ، فقذفه رجل في الطريق فقال لنفسه : اسكت إنما تحمل للقتل ، تسل عمن قذفك وأنا سائر إلى الموت لا أدري ما يأتيني أسأل من يتكلم مما لا يغني عن ذلك ، وكان يقول : لو علمت أن أحدا تجاب دعوته في الموت لسألته فيه ، وكيف لا أحب الخروج من دار فيها إبليس والفتن ، وكذا وكذا إلى دار أرجو فيها الاجتماع مع النبي صلّى اللّه عليه وسلم تسليما . وذكر أنه دعا على نفسه بالموت . قال : وحكي أنه خرج أبو القاسم بن راشد وصاحب له ومع كل واحد منهما ابن بالغ جميل فنزلوا بقصر سهل وبه أبو الفضل فثبت عنده أن الصبيين يبيتان في
--> ( 1 ) ورد الخبر في الرياض مطولا 2 / 235 . ( 2 ) الخبر ورد في الرياض بصيغة أخرى 2 / 238 - 239 . ( 3 ) ورد اسم القائل في الرياض باسم « عبد السلام » وهو شيخ معمّر كان بالمنستير 2 / 239 . ( 4 ) الخبر ورد في الرياض : 2 / 239 - 240 .